الملوك (١): أنَّ سليمان بن عبد الملك، قال ذات يوم: مملكتي ليست تقصر عن مملكة سليمان بن داود ﵉ إلا أن الله سخر له الجن والريح والطير، وليس لأحد من الملوك على وجه الأرض مثل مالي من الأموال والعدة.
فقال بعض الحاضرين: أهم شيء يحتاج الملوك ليس عندكم يا أمير المؤمنين.
فقال وما هو؟
قال وزير يكون وزير ابن وزير كما أنك خليفة ابن خليفة ابن خليفة.
فقال: هل تعرف وزيرًا هذه صفته؟
فقال: نعم جعفر بن برمك فإنه ورث الوزارة أبًا عن جد إلى زمن ازدشير، ولهم كتب مصنّفة في الوزارة يعلمونها لهم لا يصلح لوزارتك غيره، فكتب سليمان إلى والي بلخ وأمره بإرسال جعفر إلى دمشق بالإعزاز والتجمل وإن احتاج إلى مائة ألف دينار، فلما وصل إلى دمشق، ودخل على سليمان وقبل الأرض رأى سليمان صورته فاستحسنها وتحرك له وأمره بالجلوس بين يديه فما كان إلا يسيرًا حتى عبس سليمان وجهه، وقال: لا حول ولا قوة إلا بالله قم من عندي، فأقامه الحاجب وخرج به من عنده ولم يعرف أحد سبب ذلك حتى خلا سليمان بندمائه، فقال بعضهم: يا أمير المؤمنين طلبت جعفرًا من خراسان بإعزاز فلما حضر أبعدته.
قال: لولا أنه جاء من أرض بعيدة، ضربت عنقه؛ لأنه حضر بين يدي، ومعه السم القاتل.
قال ذاك القائل: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أكشف هذا؟ فأذن له، فذهب إلى جعفر وقال: إنك لما حضرت عند أمير المؤمنين كان معك شيء من السم، قال: نعم وهو معي الآن تحت فص خاتمي هذا؛ لأن آبائي احتملوا من الملوك مشاق كثيرة لما طلبوا منهم الأموال عذبوهم بأنواع العذاب؛ فإني خشيت أن أكلف شيئًا مما كلفوا أولئك، ولا يكون لي به طاقة فعند ذلك أمص خاتمي هذا واستريح من إهانتهم وعذابهم.
فرجع النديم إلى سليمان وأخبره بما سمع من جعفر، فتعجب سليمان من حزمه وفطنته ونظره في العواقب، فأمر بإحضاره مرة أخرى بطريق الإجلال وأقعده إلى جنبه وخلع عليه خلعة الوزارة، ووضع الدواة بين يديه حتى وقع بحضور سليمان عدة توقيعات.
فلما أتى على ذلك مدة وانبسط جعفر في خدمة سليمان، سأله في بعض الأيام،