وقلنا: الأصل أن تكون الأحكام الشرعية معقولة المعنى والتعبد على خلاف الأصل، والدليل عليه التفرقة بين الدخول وعدمه في وجوبها، ووجوبها بالنكاح الفاسد بعد الوطء، وبالوطء بشبهة، ومنع سقى فرع الغير معقول وتضييع الأنساب حرام.
والخامس عشر: ذكر أبو علي الجرجاني في كتاب ضروب نظم القرآن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] جاء مجيء العموم ثم خص الله تعالى من هذا العموم خصوصًا مجيء الاستثناء وإن لم يكن بلفظه؛ لأنه مختص عما قبله، فقال تعالى: ﴿وَالَّتِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِّسَائِكُمْ﴾ [الطلاق ٤] وقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق ٤] ووجه الكلام في مجاري العربية، وسيأتي التأليف والنظم أن يكون المخصوص من الشيء في مثل معناه ومن جنسه، وإن كان الحكمان فيهما مختلفين، والمرأة لا تخلو في دهرها عن الحيض أو الطهر، والتي لا تحيض من صغر أو كبر لها حالة واحدة؛ فلما قال تعالى بعدما ألزم المطلقة من العدة: ﴿وَالَّتِي يَئِسْنَ﴾ [الطلاق ٤] الآية ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فذكر الحيض، والحيض ليس من جنس الطهر في المعنى؛ فكان ذلك بيانا أن العموم الذي استثنى منه هذا الخصوص مثله، ومن جنسه، وقد بيناه بما نقل من الأسرار.
والسادس عشر: أنه لما أبدله بالطهر، والطهر الذي أبدله مثل الطهر الذي عدم؛ إذ هما سواء في زوال الحيض؛ فعلم أن المراد منه الحيض.
والسابع عشر: أجمعت الأمة أن التي لا تحيض لو اعتدت بشهرين وتسعة وعشرين يوما ثم رأت الدم؛ عدتها بالشهور تبطل ويلزمها استقبال العدة؛ فلو كانت هي الأطهار، وقد جاءت بالأطهار ثلاثة أشهر إلا يوما؛ لم يبطل برؤيته يومًا واحدًا دمًا إن لم يكن الحيض من العدة في شيء؛ فعلم أن عدتها صارت الحيض، فكذا أبطل ما قبله وإلا لما أبطل.
والثامن عشر: ما ذكرنا من إقامة الأشهر عند الإياس؛ بقوله تعالى: ﴿وَالَّتِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق ٤] وقد بيناه.