والشهور يدل عليها كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء ٤٣](١).
فإن قيل: الأصل أطهار لا وجود لها إلا بالمحيض، فإن الطهر قبل الحيض لا يسمى قرءًا ولا انعدام لهذا القروء إلا بانعدام الحيض فكان قوله: ﴿يَسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق ٤] مجاز عن قوله: "يئسن من الأطهار" فلذا استقام الإبدال.
قيل: إن الكلام لحقيقته حتى يقوم دليل على مجازه. كذا قيل، وهذا السؤال مذكور في شرح البزدوي والمنار.
وذكر السرخسي في شرحه: احتج الشافعي بوجوه:
الأول: أنه قال: «ثَلَثَةُ قُرُوءٍ»، ولو كان المراد بها الحيض ينبغي أن تجمع على أقراء كما في قوله ﵇:«دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ»(٢). واستدل بقول الأعشى (٣):
موَرَثَةٍ مالاً وفي الحَيِّ رِفْعَةً … لِما ضَاعَ فيها من قروءِ نِسَائِكا
أراد به الأطهار؛ لأن أيام الحيض ضائع حاضرًا كان أو غائبًا.
وقلنا: هذا ليس بلازم؛ بل يجمع الحيض أيضًا بقروء؛ قال ﵇ الفاطمة بنت [أبي](٤) حبيش: «فانظري إذا أتاكِ قَرْؤكِ فلا تصلّي، فإذا مرَّ قَرْؤكِ فتطهري» رواه أبو داود والنسائي (٥).
والوجه الثاني: إثبات التاء في ثلاثة، وقد ذكر في الأصول مع جوابه. قال ابن الحاجب في مقدمته: إذا كان المعدود مؤنثا واللفظ مذكرا وبالعكس فوجهان.
والوجه الثالث: حديث ابن عمر المتفق عليه «مره أن يراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم ليطلقها»(٦)، فلما أمره أن يطلقها في الطهر ونهاه أن يطلقها في
(١) انظر: تبيين الحقائق للفخر الزيلعي (٣/٢٧). (٢) أخرجه الدار قطني (١/ ٣٩٤، برقم ٨٢٢). (٣) البيت من الطويل. ديوان الأعشى (٢/٣٩). (٤) ما بين المعقوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٥) أخرجه أبو داود (١/ ٧٢، برقم ٢٨٠)، والنسائي (١/ ١٢١، برقم ٢١١). (٦) أخرجه البخاري (٧/٤١، برقم ٥٢٥١)، ومسلم (٢/ ١٠٩٣، برقم ١٤٧١).