مع أنه صحيح للعامة [في](١) قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢]؛ فإن الغاوين أكثر عباده؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣]. وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].
أجاب النحويون عن ذلك (٢): هذا استثناء منقطع؛ لأن الإضافة لتشريف المضاف؛ فلم يدخل الغاوون [إذ الغاوون](٣) أقل من العباد؛ لأن العباد تتناول الملائكة، والغاوون أقل من الملائكة؛ لما جاء في الحديث: «الملائكة [يطوفون](٤) بالمحشر سبعة أدوار» وذلك أعظم ممن في المحشر، ولقوله عليه الصلاة السلام:«ما في السَّماءِ موضع شبرٍ إلا وفيهِ مَلَكُ يُسبِّح الله تعالى»(٥).
ولأن الاستثناء تكلم بالباقي أو إخراج؛ فيجوز في الأكثر والأقل، والمانع إما قبحه أو قلة استعماله أو عدمه، وذلك لا يؤثر؛ لأن الكلام في الصحة لا في الحسن والقبح (٦).
وزعم بعض أصحابنا: أن الاستثناء رجوع، والرجوع باطل، فكذلك لم يصح استثناء الكل من الكل. وهذا وهم منهم؛ لما أنه أبطل استثناء الكل في الوصية، [مع أن الوصية](٧) تقبل الرجوع؛ فعلم أن الصحيح ما قلنا (٨).
(١) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٢) انظر: نفائس الأصول للقرافي (٥/ ٢٠٠٣)، والبحر المحيط للزركشي (٤/ ٣٨٨). (٣) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٤) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٥) أخرجه الترمذي (٤/ ١٣٤، برقم ٢٣١٢) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢/ ١٤٠٢، برقم ٤١٩٠)، والحاكم (٢/ ٥٥٤، برقم ٣٨٨٣) وصححه، من حديث أبي ذر مرفوعا، بلفظ «أَطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أن تنط؛ ما فيها موضع قدر أربع أصابع إلا مَلَكُ واضع جبهتَهُ سَاجِدًا للهِ». (٦) انظر: كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري (٣/ ١٢٢)، والتقرير والتحبير لابن أمير حاج (١/ ٢٦٧). (٧) ما بين المعكوفتين زيادة من النسخة الثانية. (٨) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٦/ ٩٢)، وبدائع الصنائع للكاساني (٣/ ١٥٥).