وحش، فجئنا إلى حِمص، فجاء الملك المجاهد أسد الدين، وقدّم له حصاناً، فركبه، ودخل معهم، وفعل عجائب.
وكان الشيخ عبد الله يقول للفقيه محمد: في وفيك نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (١).
وقال ابن العديم في تاريخ حلب: أخبرني الفقيه محمد اليونيني أن الشيخ عبد الله كان يصلي بعد العشاء الآخرة وِرداً إلى قريب ثلث الليل، فكان ليلة يعاتب (٢) ربه ﷿ ويقول: يا رب الناس ما يأتوني إلا لأجلك، وأنا قد سألتك في المرأة الفلانية والرجل الفلاني أن تقضي حاجته، وما قضيتَها، فهكذا يكون؟ وكان يتمثّل بهذه الأبيات كثيراً ويبكي:
شفيعي إليكم طول شوقي إليكم … وكل كريمٍ للشفيع قُبول
وعُذري إليكم أنني في هواكم … أسيرٌ ومأسور الغرام ذليل
فإن تقبلوا عُذري فأهلاً ومرحباً … وإن لم تُجيبوا فالمُحبُّ حمول
سأصبر لا عنكم ولكن عليكم … عسى لي إلى ذاك الجَنابِ وصول
قال الصاحب أبو القاسم: وقد صحِبته ووهب لي قميصاً له أزرق، وقال لي يوماً ببيت المقدس: يا أبا القاسم، اعشق تفلح! فاستحييت، وذلك في سنة ثلاث وستمائة، ثم بعد مدة سارّني بجامع دمشق، وقال: عشقت بعد؟ فقلت: لا. قال: شُهْ عليك. واتفق أني تزوجت بعد ذاك بسنة، ومِلْتُ إلى الزوجة ميلاً عظيماً، فما كنت أصبر عنها.
قال ابن العزّ عمر: قرأت في تاريخ ابن العديم، بغير خطه، قال سيدنا العلاّمة أبو عبد الله محمد بن أبي الحسين اليونيني: كنت عند الشيخ يوماً فجاءه رجلان من العرب، فقالا: نطلع إليك؟ قال: لا، فذهب أحدهما وجلس الآخر، فقال الشيخ: فأما الزَّبَد فيذهب جُفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، ثم قال له: اطلع. وطلع، فأقام عندنا أياماً، فقال له الشيخ: تحبّ أن أريك قبرك؟ قال: نعم، فأتى به المقبرة، فقال: هذا قبرك. فأقام بعد ذلك اثني عشر يوماً أو أربعة عشر يوماً، ثم مات، فدُفن في ذلك المكان. وكان له
(١) وتمام الحكاية أنه كان يقول: أنا من الرهبان وأنت من الأحبار. (٢) كتب المؤلف في حاشية النسخة قبالتها: "يناجي".