وظهرَتْ أهل البِدع والأهواء (١)، وافقوهم بغير خلاف، ونقلوا أحكام الدِّين منهم إلى الأخلاف (٢)، مُحْيِين سنَّة الأسلاف، حاوين مآثر الأشراف.
ولمَّا كانت حوادث الأيَّام خارجة عن التِّعداد، ومعرفة أحكامها لازمة إلى يوم التَّناد، وكانت ظواهر النُّصوص غير موفِيَةٍ ببيانها، بل لا بدَّ لها من طريق وافٍ (٣) بشأنها، اضطَّروا إلى الاجتهاد بالرَّأي فاجتهدوا، وأسَّسوا قواعدَ الأصول وشيَّدوا، فعزموا على تعيين المذهب ومهدَّوا، مستفيضين بما رُوي عن رسول الله ﷺ أنَّه لمَّا بعثَ معاذًا ﵁ قاضيًا إلى اليمن قال له:"بِمَ تقضي يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال:"فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: بسنَّة رسوله. قال:"فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: أجتهدُ فيه برأيي (٤)، فقال رسولُ الله ﷺ:"الحمد لله الَّذي وفَّق رسولَ رسولِه لِمَا يُرْضِي به رسولَه"(٥).
(١) ساقطة من: ع. (٢) ضع: الخلاف. (٣) أ: موف. (٤) ع: رأيي. (٥) رواه أبو داود (٣٥٩٢) و (٣٥٩٣)، والتِّرمذي (١٣٢٧) و (١٣٢٨) وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتَّصل. وقد اختُلف في تصحيح هذا الحديث كثيرًا. انظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٤/ ٤٤٥).