فمنهم أصحابُ الطَّبقة العالية في الاجتهاد، وهم الَّذين صادف الدِّين منهم أقوى عِماد، وضعوا المسائل على حسب قواعد قولهم (١) وأصولهم، وهذَّبوا مسائلَ الاجتهاد مع تنقيح طرق النَّظر على مذاهبهم، يستبدُّون في استنباط (٢) الأحكام من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، من غير تقليدٍ لا في الفروع ولا في الأصول لأحدٍ من النَّاس، وحالهم متفاوتة في اشتهار مذاهبهم، واعتبار مشاربهم، فممَّن شاعَ مذهبهم في الأعصار، واشتهرت آثار عِلْمهم في الأقطار والأمصار:
إمامُنا الأعظم أبو حنيفة نعمان الكُّوفي، ومالكُ بن أنس، وسفيان الثَّوري، وابن أبي ليلى محمَّد بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن الأوزاعي، ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني.
ولكنَّ اللهَ تعالى خصَّ من بينهم الأئمَّة الأربعة؛ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشَّافعي وابنُ حنبلَ بهدايتِه، بحيث منع العلماءُ تقليدَ غيرِهم، ولم يُدْرَ مثلهم في غيرهم من المجتهدين إلى الآن؛ لانضباط مذاهبِهم، أو لانقراضِ أصحابِ غيرهم، وتعذُّر نقلِ مذهبهم.
والحاصل أنَّ هؤلاء الأربعة انخرقَتْ بهم العادة على معنى الكرامة؛ عنايةً من الله تعالى بهم، إذا قِيْسَتْ أحوالهم بأحوال أضْرابِهم، فاشتهار مذهبهم في ظهور الآفاق، واعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق، واجتماع القلوب على الأخذ بها على ممرِّ الدُّهور دون ما سواها، بما يشهد بصلاح نيَّتهم، وحُسْن طويَّتِهم، وجَلِيل سيرتِهم، وجميلِ سريرتِهم، لاسيَّما الإمام الأعظم، والقَوْم الهُمَام الأقدم، سراج الأمَّة، وتاج الملَّة، وقِمَّة الأئمَّة، أبو حنيفة نُعمان بن ثابت، ثبَّته اللهُ في أُخْراه بالقول الثَّابت.