قدْ خصَّه اللهُ تعالى بعنايتِه، وجمع من الفضائل في ذاتِه ما لم يَجمع نُبَذًا منها في غيره، مع كونه من التَّابعين دون غيره، وجعله مقتدى شريعته إلى آخر الدَّهر ونهايته، حتَّى شاع علمُه، واشتهر مذهبُه بكثرة المجتهدين في ذاهبي ما يذهبُه، وأظهر علوم الشَّرع بين المسلمين، ونشر أحكام الفروع بين المؤمنين، فإِنَّه أَوَّلُ مَنْ فرَّع في الفقه وألَّف، ودون كُتُبَ الفُروع وصنَّف، باتِّفاق أصحابه الملازمين إلى درسه، من مشاهير علماء المجتهدين واجتماع أضرابه المختلفين إلى مجلسه، من جماهير الفضلاء المتقدِّمين كأبي يوسف المقدَّم في الأخبار واللِّسان، ومحمَّد المقدَّم في الفقه والإعراب والبيان، وزُفَر بن هُذيل الفقيه النَّبيه في القياس، وحسن بن زياد المسلَّم في السؤال والتَّفريع بين النَّاس، وعبد الله بن المبارك الصَّائب في رأيه أيَّة سالك (١)، ووكيع بن الجرَّاح المفسِّر الزَّاهد النَّصَّاح، وحفص بن (غياث بن طَلْق)(٢) الفطن الزَّكي في القضاء (٣) بين الخلق، ويحيى بن زكريَّا بن أبي زائدة في جمع الحديث وضبط الفروع له فوائده (٤)، وأسد بن عَمْرو القاضي، ونوح بن مريم الجامع، وأبو مطيع البَلْخِي، ويوسف بن خالد السَّمْتي، وغيرهم جميعًا، وسنذكرُهم إن شاء الله مُشْبِعًا.
ثمَّ أقرَّ بفضله الخصوم، وسلَّموا له في كلِّ العلوم، حتى قال الإمام مالكٌ حين سُئِل عنه - عن أبي حنيفة: رأيتُه رجلًا لو كلَّمك في هذه السَّارية ليرى أنْ يجعلها ذهبًا لَقام بحجَّته.