دروسًا من "الهداية" و"التلويح" والتفسير، وكان الفقير من أصحاب درس "الهداية"، ونقرر "ابن الهمام" عليها، وكان المولى الفاضل المرحوم المتوفى قاضيًا بمصر مسمومًا بدر المِلَّة والدِّين محمود السَّرابي من شركاء درسنا، وكان من تلامذته المولى الفاضل فائق الزمان فارس الميدان زكريا القاضي بمدينة بروسا الآن يحضر درسنا، وكان داخلًا في سلك الملازمين في هذا الأوان.
ويحضر درسنا أيضًا أكبر أولاده المولى الفائق الشاب الحاذق مصطفى جلبي المرحوم، كان نظَّارًا كاملًا، دقيق النظر، عديم النظير، كثير العلم، واسع التقرير، كامل التحرير، وكان في عنوان شبابه غلب بالعلم على شيوخ عصره، وفاق في الورع والتُّقى ريَّان عمره شبان عصره، لم يتدنس لعرضه رُدْن ولا جيب، ولا حام حول وقاره شين ولا عيب، ساخ في العلوم ورسخ، وحفظ من الفنون عدة نسخ.
مات شابًا مدرِّسا بالمدرسة الحجرية ببروسا، في سنة سبع وخمسين وتسعمئة، ولعمري لو عمر لفاق أهل الزَّمان، ولصار وجوده بركة للأكوان، صار موته من نوائب الدَّهر ومصائب الأقران، وتضعضعت به الأركان والكون والمكان، وقد ألمَّ بهم الألم والهم، كما قيل: موت العالِم موت العالَم.
ثم كان يحضر درسنا، ونقرأ "تفسير القاضي" البيضاوي، ثم كنا نقرأ من "كتاب الهداية" مع "ابن الهمام" أيضًا أصلحُ الله أولاده الذي يزهى به في حياته، ويحيى به ذكره بعد مماته، وهو المولى الفاضل النَّجيب الأريب، والعالم الكامل النَّقِيب الأديب، محرز الفضائل التي تسمو به إلى المحل الأرفع، ومدخر الفواضل التي توطنه ذروة المجد الأبلغ (١)، السيِّد محيي الدِّين محمَّد جلبي، كان نقيب الأشراف بعد ما تقاعد عن قضاء العسكر بأناطولي.