الشَّريف بالغدو والآصال، ومن لطائف صنع الله (١) التي جلَّت أن تعد، وكبرت لعظم شأنها عن أن تحد: أنه لم يخل في عصر من الأعصار كافة المدائن والأمصار عن ذي ذهن وقَّاد وصاحب طبع نقاد، يبذل جهده في ارتفاع ما يرفع في الدارين قدره، ويطلع من أفق النباهة بدره، فتصدى لاقتباس العلم ودراسته، واجتهد في صونه عن الضياع وحراسته، وصرف همته إلى تجديد مراسم الشرع، وأجرى سواد الحبر في بياض الورق، ووقف نهمته على تمهيد قواعد الأصل والفرع، وسوَّد وجه الباطل وبيَّض محيَّا الحق به، كل من يقتدي يسترشد ويهتدي، وما هو في عهده إلا هذا المولى، سجيته التأليف والدرس والفتوى، ولا يفتر لمحة ناظر عن التأليف والتدريس والإفادة، ولا ينزع طائره صوت (٢) طائر عن التكرار والإعادة، يقرر غاية مرامه غير متلعثم في كلامه:
فسل عن جلايا مجده كلَّ شارق … وطارح خفايا فضله كل غاسق
أضاءت سماءُ الفضل منه بثاقب … تفديه سيارات ذات الطرائق
وليس له ثانٍ من النّاس كلَّما … علا درجاتٍ في بيان الدَّقائق
يذلُّ مصاعيب العلوم فتثنى … إليه هوادسها طرو الوسائق
ويسحر في علم البيان محافظًا … على نسبٍ يزهى بها وعلائق
ومَنْ لكلام الله يبدي كنوزَه … سواه بكشفٍ للغوامض رائق
وأنفاسه في روض نعمان عضه … لواقح قد شفَّت حبوب الشَّقائق