وقد اختلفَ العُلَماء؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال:"الثلث والثلث كثير"، فلم يقل الثلث وسكت، وإنما قال:"الثلث والثلث كثير"، فمن العلماء مَنْ فهم من ذلك أن الأَوْلَى هو ما دون الثلث، ومنهم مَنْ فهم أن الحد الأعلى هو الثلث، فقال: يوصي بالثلث، وأكثر العلماء على أن المستحب هو ألا يصل إلى الثلث، وقد جاء في الحديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"إنَّ اللَّهَ تصدق عليكم بصدقةٍ عند وفاتكم زيادةً في أعمالكم ألا وهي الوصية"(٣).
ثمَّ أشَار المؤلف إلى اختلاف الصحابة -رضي الله عنهم-، فرُوِيَ عن أبي بكرٍ -رضي الله عنه- أنه تصدَّق بالخمس، وأوصى بالخمس، ولما سُئِلَ قال:"أفعل ما فعله الله سبحانه وتعالى"، والله سبحان وتعالى يقول:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}، وقال: "أستحب ما استحبه الله سبحانه وتعالى (٤)، فنرى أنَّ أبا بكرٍ -رضي الله عنه- له مأخذ دقيق، وأنه عندما اختار الخمس بنى ذلك على قول الله تعالى:{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}، وأثر عن عمر -رضي الله عنه- أنه أوصى
= أن الناس غَضُّوا من الثلث، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الثلث كثير"، متفق عليه. وقال القاضي وأبو الخطاب: إن كان غنيًّا استحب الوصية بالثلث، ولنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لسعد: "والثلث كثير"، مع إخباره إياه بكثرة ماله، وقلة عياله، فإنه قال في الحديث: "إن لي مالًا كثيرًا، ولا يرثني إلا ابنتي ". (١) يُنظر: "المغني" لابن قدامة (٦/ ١٣٩)، قال: فالأفضل للغني الوصية بالخمس، ونحو هذا يروى عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-، وهو ظاهر قول السلف، وعلماء أهل البصرة. (٢) أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٩/ ٦٦) عن قتادة، أن أبا بكر أوصى بالخمس وقال: "أوصي بما رضي الله به لنفسه "، {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}، وأوصى عمرُ بالربع. (٣) سيأتي الكلام عنه. (٤) تقدم تخريجه.