هو الذي يعطى العهد، والذمي له حقوق يجب أن يُلتزم بها، وأن يؤديها المؤمنون، ولذلك نجد أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - يحذر من التعدي أو الاعتداء عليهم، فقال:"من قتل ذميًّا لم يرح رائحة الجنة، وإن رائحتها لتكون من كذا وكذا - أو - لتوجد من كذا وكذا"(٢).
والمؤلف اقتصر على الحكم بالنسبة لأهل الذمة، لكن الواقع أن الذمي إما أن يكون معه مسلم، أو أن يكون وحده، أي: أن تكون هناك خصومة بين ذمي ومسلم، وهذه لم يعرض لها المؤلف، والحالة الثانية أن يكون الخلاف بين الذميين. أما الأولى: فإن العلماء أجمعوا على أنه إذا كانت الخصومة بين مسلم وذمي، فإن الحاكم يحكم بينهما، أي: يقضي (٣)، وثبت أن عليًّا - رضي الله عنه - القاضي شريح، حين فقد علي - رضي الله عنه - عند يهودي، فذهب عند القاضي شريح ليقضي بينهما (٤).
فهذا عليٌّ خلفية المؤمنين في ذلك الوقت، ومع ذلك يجلس في
(١) الذمي: المعاهد الذي أومن على شروط استوثق منه بها، وعلى جزية يؤديها، فإن لم يف بها، حل سفك دمه. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري (١/ ٩٩). (٢) أخرجه البخاري (٣١٦٦)، بلفظ عن عبد اللّه بن عمرو - رضي الله عنهما -، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا". (٣) هذا سيأتي بالتفصيل فيما بعد. (٤) أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٣٩) عن إبراهيم بن يزيد التيمي، عن أبيه، قال: "وجد علي بن أبي طالب درعًا له عند يهودي التقطها فعرفها، فقال: درعي، سقطت عن جمل لي أورق. فقال اليهودي: درعي، وفي يدي. ثم قال له اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين. فأتوا شريحًا، فلما رأى عليًّا قد أقبل تحرف عن موضعه، وجلس عليّ فيه، ثم قال علي: لو كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس … ".