وهَذِهِ الاختلَافات التي وَقَعتْ بين العلَماء جَعَلتْ كلًّا يُبيِّن وجهة نَظَره، ويستدلُّ علَى قَوْله، ويُنَاقش دليل الآخر، فَجَاء هذا ورَدَّ، وهكذا … هذه كلها أمورٌ وسَّعَت الفقه الإسلامي، وأعطته من المكانة ما لم تعطِ غيره من أيِّ فقهٍ كان.
قَضيَّة المجَاز قضيَّة مشهورة (١)، ومِن العُلَماء مَنْ يُنكِرُ وجود المجاز في القرآن (٢)، وأنَّه لا ينبغي أن يقال: إن هناك مجازًا حتى في الآيات التي يأتي فيها، فإنهم يقدرونه فيها محذوفًا، مثل:{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ}، يعني: أهل القرية، وأيضًا:{وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ}، يعني: ملَك صَالح، وهكَذا الأدلَّة الكثيرة التي يردُّها العلماء يحجبون عنها بأجوبةٍ، ومنهم مَنْ يقول: هذا إيجاز بالحذف وليس مجازًا، لأن القرآن من أسلوبه الإيجاز، وأيضًا من أسلوبه الترخيم، وهو معروف في لغة العرب كما في قراءة:(وَنَادَوْا يا مَلك ليَقْضي علَينا ربُّك)، يعني: يا مالك؛ فيعتبرون هنا أن فيه
(١) ذهب جمهور العلماء إلى أن المجاز واقع في القرآن الكريم، وممن قال بهذا: أبو يعلى الحنبلي، والشيرازي والبزدوي والغزالي وابن قدامة والقرافي وابن الحاجب وغيرهم من الأصوليين، وبه قال عامة علماء العربية والتفسير كابن قتيبة وابن رشيق والزركشي والسيوطي. انظر: "المحصول" للرازي (١/ ٣٢١) "العدة في أصول الفقه" للقاضي أبي يعلى (٢/ ٦٩٥)، و"اللمع في أصل الفقه" للشيرازي (ص ٧) و"المستصفى" للغزالي (ص ٨٤)، و"روضة الناظر" لابن قدامة (١/ ٢٠٦). ونقل عن الإمام أحمد ما يؤيد القول بوقوع المجاز في القرآن حيث يقول: "أما قوله: " (أنا معكم) فهذا في مجاز اللغة، يقول الرجل للرجل: إنا سنجري عليك رزقك، إنا سنفعل بك كذا". انظر: "الرد على الجهمية والزنادقة" للإمام أحمد (ص ٩٢). (٢) وممن نُقِلَ عنه القول بهذا: أبو بكر ابن داود الظاهري، وابن القاص من الشافعية، وابن خويز منداد من المالكية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة. انظر: "الحقيقة والمجاز في الكتاب والسُّنَّة وعلاقتهما بالأحكام الشرعية" لحسام الدين عفانة (١٢٤)، وهي أطروحة الماجستير له.