وأَشْهَرُ هذه الأقوال: قول الجمهور (وهو المسح إلى المرفقين)، وقول الحنابلة (وهو مسح الكف فقط).
واستدل الجُمْهورُ على مذهبهم بما يلي:
أولًا: حَمْل المطلق في آية التيمم في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} على المقيد في آية الوضوء في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}؛ إذ لو كان الحكم مختلفًا لبيَّنه الله -صلى الله عليه وسلم-؛ أو بيَّنه رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأن هذا بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
ووجه حمل المطلق على المقيد هنا: أن التيمم من جنس الوضوء؛ لأن كلًّا منهما طهارة، فنُقيِّد هذا بذاك.
ثَانيًا: أنَّ القول بالمسح إلى المرفقين ثابتٌ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عبد الله بن عمر (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وأبي أُمَامَة (٤)، بألفاظٍ متقاربةٍ أنَّه قال:"التَّيمُّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين"، وهذا نصٌّ في المسح إلى المرفقين.
وهَذِهِ الأحاديث وإنْ كان في إسنادها مَقالٌ، لكنَّها تَتَقوَّى بما ورد في رواية أبي الجهيم، أن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أقبل من نحو بئر جملٍ، فَلَقيه رجل، فَسلَّم عليه، فلم يرد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أقبل على الجدار، فَمَسح بوجهه
(١) يُنظر: "الاستذكار" لابن عبد البر (١/ ٣١٢)، قال: "وقال ابن شهاب الزهري: يبلغ بالتيمم الآباط. ولم يقل ذلك غيره -فيما علمت- والله أعلم". (٢) أخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٧٤)، وضعَّفه الأَلْبَانيُّ في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (٣٤٢٧). (٣) أخرجه الدارقطني في "السنن" (١/ ٢٤٦)، وقال: رجاله كلهم ثقات، والصواب موقوف. (٤) أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" (٨/ ٢٤٥)، قال ابن حجر: إسناده ضعيف. انظر: "التلخيص الحبير" (١/ ١٥٣).