وقد أخذ أبو يوسف ذلك من قول اللَّه -سبحانه وتعالى-: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ}[النساء: ١٠٢](٢).
وهذا لا يمنع أن تَدخل أمته فيها؛ فمن المقرر في علم أصول الفقه أن الخطابات قد تأتي موجهة لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمته داخلة في ذلك (٣)، فكون اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- خَاطَبَه بقوله:{وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} لا يمنع أن تكون أُمَّته داخلة معه، بل هي داخلة في ذلك دخولًا أوليًّا.
(١) يُنْظَر: "المبسوط" للسرخسي (٢/ ٤٥)، حيث ذكر مذهب أبي يوسف، فقال: "كل طائفة يتمكنون من أداء الصلاة بإمام على حِدة، فلا يجوز لهم أداؤها بصفة الذهاب والمجيء". (٢) يُنْظَر: "المبسوط" للسرخسي (٢/ ٤٥)، حيث ذكر وجه استدلال أبي يوسف من الآية، فقال: "فقد شَرَط كونه فيهم لإقامة صلاة الخوف". (٣) يُنْظَر: "الواضح في أصول الفقه" لأبي الوفاء بن عقيل (٣/ ١٠٢)، حيث قال: "فصلٌ في الدلالة على دخولِ غيرهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في حكم خطابه: هو أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- جُعل منارًا للأحكام، وعَلَمًا عليها، وقدوةً يُقتدى به فيها، فصَارَ خطَابُ اللَّه سبحانه له خطابًا لجميع مَن دعاه إلى الإِسلام، وكذلك حسن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: ١]، ولم يقل: فطلِّقْهن، وهذا يدُلُّ على أنه إذا خاطبه فقد خاطب أُمَّتَهُ، وجعل خطابه له نائبًا مناب خطابهم. ومن ذلك قوله: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ} [الأحزاب: ٣٧]، فأخبر أنه إنَّما أباحَهُ ذلك ليكونَ مبيحًا لجميع الأُمَّةِ، ولو كان الأمر يخصُّهُ لما انتفى عنهم الحرجُ بنفي الحرجِ عنه، فصارَ كأنَّه يقول: أرخصنا لكَ في تزويجِ أزواجِ أدعيائكَ؛ لنُرخِّص لأمتكَ بذلك اقتداءً بك، ونزولًا على ما شُرع لك، فثبت بهذا أنهم مشاركوه في الحكم الذي يُخاطب به. . . ".