للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان الخراج يحمل إليه من القسطنطينية منذ غزاها في أيام أبيه؛ فلما كانت سنة ١٨٧ هـ خلع الرومانيون ملكتهم «إيريني» وولوا عليهم ملكا يدعى نيقيفور، فكتب «نيقيفور» إلى الرشيد كتابا ترجمته: من نيقيفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب أما بعد؛ فإن الملكة إيريني حملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بأن تحمل أضعافه إليها، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما أخذت وإلا فالسيف بيننا وبينك، فقرأ الرشيد الكتاب فغضب وأجابه على ظهر كتابه: «من هارون أمير المؤمنين إلى نيقيفور كلب الروم؛ قد قرأت كتابك والجواب ما تراه دون ما تسمعه»، وجهز جيشا جرارا وسار يحرق المدن ويدمر المعاقل حتى قرب من القسطنطينية فارتاع ملك الروم وألقى السلاح فضرب عليه الرشيد الجزية وعاد فلم يبلغ بغداد حتى بلغه أن نيقيفور نكث عهده، فرجع إليه ولم يبال ببرد تلك البلاد وثلجها فدمر وأضرب حتى بلغ البوسفور فتذلل نيقيفور له فصفح عنه ثم أخلف، وغدر ثالثة فضربه الرشيد ضربة كادت تكون قاضية قتل بها من جيش الروم أربعون ألفا في وقعة واحدة، وجرح نيقيفور، فانتهب الرشيد ماله وسلاحه ثم جعل عليهم مالا يبعثون به في كل سنة فأطاعوا وأقبل الرشيد على بغداد ظافرا قاهرا.

وأخبار الرشيد مع الأدباء والشعراء كثيرة تجدها في مظانها من كتب الأدب وله كلم مأثورة منها:

إياك والدالة فإنها تفسد الحزمة، وقال يوما لبنيه: ما ضر أحدكم لو تعلم من العربية ما يصلح به لسانه، أيسر أحدكم أن يكون لسانه كلسان عبده وأمته؟ وسأل جلساءه: من أرغد الناس عيشا؟ قالوا: أمير المؤمنين. فقال لهم: كلا، إن لأعواد المنابر لهيبة، وإن لقعقعة اللجم الفزعة، وإن أهنئ الناس عيشا رجل له دار يسكنها، وزوجة يأوي إليها، في كفاف من العيش لا يعرفنا ولا نعرفه؛ فإن من عرفنا وعرفناه، أفسدنا عليه دينه ودنياه!

<<  <   >  >>