وبويع بالخلافة بعد موت المستضيء، بأمر الله ولده أبو العباس أحمد بن المستضيء بن المستنجد بن المتقي بن المقتدي بن محمد بن القائم بن القادر ابن المقتدر بن المعتضد بن الموفق بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن عبد الله بن عباس، ولقب أحمد الناصر لدين الله، وذلك سنة ٥٧٥ هـ، فلما تملك طالت أيامه حتى إنه لم يل لخلافة من بني العباس أطول منه مدة، وكان شديد السياسة داهية خبيرا بشؤون الملك إلا أنه ربما تشدد في بعض الأمور فنسب إلى الظلم، والمؤرخ يحار في ما يكتب عنه لأنه لم يكن مستقيم الأطوار، فبينما تراه مولعا بالمصلحة العامة يفتتح دور الضيافة للناس وللحجاج، ويطلق المكوس، ويرفع عن الناس الضرائب والمظالم، ويتفقد شؤونهم مختفيا في الحنادس الداجية يجوب المنازل ويجول في الشوارع العامة والأزقة مرتديا جلباب سوقي أو شيوخ أو غريب إذا بك تراه قد أغلق تلك الدور، وأعاد تلك الضرائب، وانصرفت همته إلى اللهو واللعب برمي البندق والاشتغال بالطيور والعناية بسراويلات الفتوة (المعروفة اليوم باسم التبانات يتخذها المصارعون، واحدها تبان وليس بعربي)، ويقال: إنه هو الذي كاتب التتر وأطمعهم في البلاد بسبب ما كان بينه وبين خوارزم شاه السلطان محمد من العداوة ليشغل خوارزم شاه بهم عن قصد العراق، ولئن صح ذلك ليكونن لطخة عار تشوهت بها صحيفته، وقد شك فيه المؤرخون ورأوا أن العجم ينسبونه إليه. وكانت خلافته ستا وأربعين سنة وأحد عشر شهر إلا يومين، وفي آخر عمره ذهبت إحدى عينيه وضعف بصر الثانية، وفلج فبطلت حركته ثلاث سنين ثم أصابته دوسنطاريا فمات ﵀ وله من العمر نحو سبعين سنة.