بل وصف صورة منتزعة من عدة أمور بوصف صورة أخرى، وهذا لا يوجب إلا اعتبار التعدد في المأخذ لا فيه نفسه، فلا ينافي كونها متعلق معنى الحرف.
فقابله السيِّد الشريف، وقال: وأنت بعد ما خبرتك بتحقيق ما سلف في وجوب أفراد متعلقات معاني الحروف ووجوب تركب ما ينزع من أمور متعددة تعلم سقوط هذين المنعين معًا سقوطًا لا مزيَّة فيه ولا خفاء، ومع هذا عبارتك هذه مختلَّة أيضًا، فإنّ لفظ الوصف في الموضعين مستدرك، بل الصواب أن يقال: بل صورة منتزعة من عدة أمور بصورة أخرى، فإنّ المشبَّه مثلًا هو الصورة المنتزعة لا وصفها.
وعلى هذا جرى القيل والقال، وانتهى البحث والخصام والجدال، فرجَّح الحكَم النُّعمان كلامَ الشريف على سعد الزمان، فعند الامتحان يُكرَم الرَّجل أو يثهان، وهكذا سمعته من أصحاب المقال، وأخذته من أفواه الرجال، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ثم إنّ جامع (هذه الكتائب)(١) وضابط هذه الغرائب راجي رحمة الرَّحمن محمود بن سليمان يقول: وإني مع حسن ظني ويقيني بأن ما حقَّقه السيِّد الشريف في هذا المبحث اللطيف حقيق بأن يضمحل الشبه ويسكت عنده المنطيق المفوّه (٢) كنت زمان قراءتي هذا المحل وأثناء اشتغالي في علم البيان، بل كلما طالعت وتأملت في كلامَي هذين المحققين بإذعان وإتقان، زعمًا مني كأني أخذت ما عندهما في هذا المحل وأحطت (٣) بما لديهما خبرًا، أجد الفهم العليل والطبع الكليل إلى عكس تحقيق الشريف يميل، فكنت ألوم نفسي على هذا، وكانت تقول كلما ألومها: لعلك
(١) ع: هذا الكتاب. (٢) أ: المتفوه. (٣) ض: أو أحطت.