فلمّا (a) تغلّب أبو عليّ كتيفات (b) بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجماليّ، على رتبة الوزارة في أيّام الحافظ لدين اللّه أبي الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم محمد بن المستنصر باللّه، في سادس عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة، وسجن الحافظ وقيّده، واستولى على سائر ما في القصر من الأموال والذّخائر وحملها إلى دار الوزارة - وكان إماميّا متشدّدا في ذلك - خالف ما عليه الدّولة من مذهب الإسماعيلية، وأظهر الدّعاء للإمام المنتظر، وأزال من الأذان قول (c): «حيّ على خير العمل»، وقولهم:«محمّد وعليّ خير البشر»، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الذي تنسب (d) إليه الإسماعيلية. فلمّا قتل في سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمس مائة، عاد الأمر إلى الخليفة الحافظ، وأعيد إلى الأذان ما كان أسقط منه (١).
وأوّل من قال في الأذان باللّيل:«محمد وعليّ خير البشر» الحسين المعروف بأميركا ابن شكنبه، ويقال اشكنبه - وهو اسم أعجمي معناه الكرش - وهو عليّ بن محمد بن عليّ ابن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، وكان أوّل تأذينه بذلك في أيّام سيف الدّولة بن حمدان بحلب في سنة سبع وأربعين وثلاث مائة، قاله الشّريف محمد بن أسعد الجوّاني النّسّابة.
ولم يزل الأذان بحلب يزاد فيه «حيّ على خير العمل، ومحمّد وعليّ خير البشر» إلى أيّام نور الدّين محمود. فلمّا فتح المدرسة الكبيرة المعروفة بالحلاوية، استدعى أبا الحسن عليّ بن الحسن ابن محمد البلخي الحنفي إليها، فجاء ومعه جماعة من الفقهاء، وألقى بها الدّروس. فلمّا سمع الأذان أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الأذان، وقال لهم: مروهم يؤذّنوا الأذان المشروع، ومن امتنع كبّوه على رأسه؛ فصعدوا وفعلوا ما أمرهم به، واستمرّ الأمر على ذلك (٢).
(a) بولاق: ولما. (b) بولاق: أبو علي بن كتيفات. (c) ساقطة من بولاق. (d) بولاق: تنتسب. - في سنة ٧٦٣ هـ/ ١٣٦٣ م عوضا عن البرهان الأخنائي، وتوفي خامس عشرين صفر سنة ٧٦٥ هـ/ ١٣٦٥ م. (المقريزي: السلوك ٧٣: ٣، ٩٤؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٨٥: ١٠). وهو الذي أمر المؤذّنين أن يقولوا في ليلة الجمعة بعد أذان العشاء الآخرة وقبل الفجر: «الصّلاة والسّلام عليك يا رسول اللّه»، واستمرّ ذلك إلى سلطنة الملك الظّاهر برقوق، حين أمر محتسب القاهرة نجم الدّين محمد الطّنبدي المؤذّنين في سنة ٧٩٠ هـ/ ١٣٨٨ م أن يقولوا ذلك عقيب كلّ أذان إلاّ المغرب واستمرّ ذلك. (المقريزي: السلوك ٦٣٩: ٣؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ٣٣١: ١٠؛ وفيما يلي ٨٧). (١) فيما تقدم ٣٤٩: ٢ - ٣٥٠، وفيما يلي ٣٩٥. (٢) النعيمي: الدارس في تاريخ المدارس ٤٨١: ١.