الفلسفة، وسنوا لمن بعدهم منهاج الطب، ومهدوا أصول الأدب، حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومانية أيام اكتمالها، وزمان اجتماع شملها ..
تولى أبو العباس المأمون الخلافة سنة ١٩٨ هـ وصفت له بعد مقتل أخيه الأمين عشرين سنة خدم بها الأمة الإسلامية والعالم العربي خدمة لا تنسى على وجه الدهر، وكان أفضل بني العباس على الإطلاق، وأكثرهم حزما وفطنة واعتناء بنشر العلوم والاشتغال في الفنون، وأطلق في أيامه حرية الكلام للباحثين وأهل الجدل والفلاسفة، ونشر الأمان لكل بائح برأيه معلن لمذهبه وإن خالف الجمهور أو كفر أو زندق فكانت بغداد في أيامه أشبه بمدينة راقية من بلاد الغرب اليوم تقام فيها الاجتماعات لخوض المباحث المختلفة دون مسيطر أو رقيب، وعلى ذلك أخذه أمام الحرمين الجويني، قال في كتابه:«غياث الأمم»:
«وقد اتفق للمأمون وكان من أنجد الخلفاء وأقصدهم خطة ظهرت هفوته فيها وعشر على من بعده تلافيها؛ فإنه رأى تقرير كل ذي مذهب على رأيه فنبغ النابغون وزاغ الزائغون وتفاقم الأمر وتطوق خطبا هائلا وانتهى زلله وخطله؟ إلى أن سوغ للمعطلة أن يطهروا آرائهم، ورتب مترجمين ليردوا كتب الأوائل إلى لسان العرب وهلم جرا إلى أحوال يقصر الوصف عن أدناها ولو قلت إنه مطالب بمغبات البدع والضلالات في الموقف الأهول في العرصات لم أكن مجازفا».
وقد جمعت أخبار المأمون في مجلد كامل (صفحاته ٣٨٤) من تاريخ بغداد لأبي الفضل طيفور (انظر ترجمته والكلام على تأريخه)، قال طيفور: وكان المأمون قد هم بلعن معاوية وأن يكتب بذلك كتابا فثناه عن ذلك يحيى بن أكثم قائلا: يا أمير المؤمنين، إن العامة لا تحتمل هذا، ولا سيما أهل خراسان ولا تأمن أن تكون لهم نفرة وإن كانت لم تدر ما عاقبتها، والرأي أن تدع الناس