وكانت جهة عامرة يتحصّل منها أموال جمّة، فيصرف منها لأهل الحرمين أموال عظيمة في كلّ سنة، تحمل من مصر إليهم مع من يثق به قاضي القضاة، وتفرّق هناك صررا، ويصرف منها أيضا بمصر والقاهرة لطلبة العلم ولأهل السّتر وللفقراء شيء كثير، إلاّ أنّها اختلّت وتلاشت في زمننا هذا، وعمّا قليل إن دام ما نحن فيه لم يبق لها أثر ألبتّة (١).
وسبب ذلك أنّه ولي قضاء الحنفيّة كمال الدّين عمر بن العديم (٢) في أيّام الملك النّاصر فرج، وولاية الأمير جمال الدّين يوسف [الأستادّار] (a) تدبير الأمور والمملكة، فتظاهرا معا على إتلاف الأوقاف. فكان جمال الدّين إذا أراد أخذ وقف من الأوقاف، أقام شاهدين يشهدان بأنّ هذا المكان يضرّ بالجار والمارّ، وأنّ الحظّ (b)) والمصلحة (b) فيه أن يستبدل به غيره فيحكم له قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم باستبدال ذلك (٣).
وشره جمال الدّين في هذا الفعل كما شره في غيره، فحكم له المذكور باستبدال القصور العامرة والدّور الجليلة بهذه الطّريقة. والنّاس على دين ملكهم. فصار كلّ من يريد بيع وقف أو شراء وقف، سعى عند القاضي المذكور بجاه أو مال، فيحكم له بما يريد من ذلك. واستدرج غيره من القضاة إلى نوع آخر، وهو أن تقام شهود القيمة فيشهدون بأنّ هذا الوقف ضارّ بالجار والمارّ، وأنّ الحظّ والمصلحة في بيعه أنقاضا. فيحكم قاض شافعي المذهب ببيع تلك الأنقاض.
واستمرّ الأمر على هذا إلى وقتنا هذا الذي نحن فيه، ثم زاد بعض سفهاء قضاة زمننا في المعنى، وحكم ببيع المساجد الجامعة إذا خرب ما حولها، وأخذ ذرّيّة واقفها ثمن أنقاضها، وحكم آخر منهم ببيع الوقف ودفع الثّمن لمستحقّه من غير شراء بدل. فامتدّت الأيدي لبيع
(a) زيادة اقتضاها السياق. (b-b) ساقطة من بولاق. (١) راجع كذلك محمد محمد أمين: الأوقاف ١١٣ - ١١٦. (٢) القاضي كمال الدّين أبو حفص عمر بن إبراهيم ابن العديم الحلبي الحنفي، المتوفى سنة ٨١١ هـ/ ١٤٠٨ م. قال المقريزي: «كان من شرّ قضاة مصر حمقا ورقاعة وجراءة وإقداما وحدّة … وقحا فحّاشا جسورا على الاستبدال بالأوقاف، بحيث أتى هو وشيخه الملطي، ثم هو وابنه، على إتلاف معظم أوقاف القاهرة ومصر، تقرّبا لأهل الدّولة وحواشيهم بما يحبّون … ولقد كانت بيني وبينه صحبة أكيدة، وكان لي معظّما يبادر إلى قضاء حوائجي ولا يردّ لي قولا، إلاّ أنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع». (درر العقود الفريدة ٤٢٨: ٢ - ٤٢٩؛ ابن حجر: إنباء الغمر ٤١١: ٢ - ٤١٢؛ أبو المحاسن: النجوم الزاهرة ١٧١: ١٣؛ السخاوي: الضوء اللامع ٦٥: ٦ - ٦٦). (٣) انظر عن الاستبدال فيما تقدم ٢٠١: ٣ هـ ١.