للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

الأوقاف حتّى تلف بذلك سائر ما كان في قرافتي مصر من التّرب، وجميع ما كان من الدّور الجليلة والمساكن الأنيقة بمصر الفسطاط، ومنشأة المهراني ومنشأة الكتّاب، وزربيّة قوصون، وحكر ابن الأثير، وسويقة الموفّق، وما كان في الحكورة من ذلك، وما كان بالجوّانيّة والعطوفيّة وغيرها من حارات القاهرة وغيرها. فكان ما ذكر أحد أسباب الخراب كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب (١).

الجهة الثّالثة «الأوقاف الأهليّة»: وهي التي لها ناظر خاصّ؛ إمّا من أولاد الواقف أو من ولاة السّلطان أو القاضي. وفي هذه الجهة الخوانك والمدارس والجوامع والتّرب، وكان متحصّلها قد خرج عن الحدّ في الكثرة لما حدث في الدّولة التّركيّة من بناء المدارس والجوامع والتّرب وغيرها، وصاروا يفردون أراضي من أعمال مصر والشّامات وفيها بلاد مقوّرة (a) (٢)، ويقيمون صورة يتملّكونها بها، ويجعلونها وقفا على مصارف كما يريدون.

فلمّا استبدّ الأمير برقوق بأمر بلاد مصر، قبل أن يتلقّب باسم السّلطنة، همّ بارتجاع هذه البلاد، وعقد مجلسا فيه شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني، وقاضي القضاة بدر الدّين محمد بن أبي البقاء وغيره، فلم يتهيّأ له ذلك. فلمّا جلس على تخت الملك صار أمراؤه يستأجرون هذه النّواحي من جهات الأوقاف، ويؤجّرونها للفلاّحين بأزيد ممّا استأجروا.

فلمّا مات الظّاهر فحش الأمر في ذلك، واستولى أهل الدّولة على جميع الأراضي الموقوفة بمصر والشّامات، وصار أجودهم من يدفع فيها لمن يستحق ريعها عشر ما يحصل له، وإلاّ فكثير منهم لا يدفع شيئا ألبتّة، لا سيّما ما كان من ذلك في بلاد الشّام، فإنّه استهلك وأخذ. ولذلك كان أسوأ النّاس حالا في هذه المحن التي حدثت منذ سنة ستّ وثمان مائة الفقهاء، لخراب الموقوف عليهم وبيعه، واستيلاء أهل الدّولة على الأراضي (٣).


(a) بولاق: بلاد مقرّرة.
(١) واضح من هذا النّصّ ونصوص أخرى أنّ المقريزي كتب الفصل الذي ذكر فيه «أسباب الخراب» بدليل إحالته إليه في كثير من المواضع. (انظر فيما تقدم ٥٤: ١ *).
(٢) انظر عن البلاد المقوّرة فيما تقدم ٢٢٣: ١ هـ ١.
(٣) محمد محمد أمين: الأوقاف ١١٦ - ١١٩.