وسبب ذلك ذلة المصريين بالقحط المفرط سنين متوالية حتى أكل الناس الناس، وبلغ الإردب مائة دينار، وبيع الكلب بخمسة دنانير، والهر بثلاثة دنانير.
وحكى صاحب «المرآة» أن امرأة خرجت من القاهرة ومعها مدّ جوهر، فقالت: من يأخذه بمدبر؟ فلم يلتفت إليها أحد.
وقال بعضهم يهنئ القائم:
وقد علم المصريّ أن جنوده … سنو يوسف فيها وطاعون عمواس
أقامت به حتى استراب بنفسه … وأوجس منها خيفة أيّ إيجاس
وفي سنة ثلاث وستين خطب بحلب للقائم، وللسلطان ألب أرسلان، لما رأوا قوة دولتهما، وإدبار دولة المستنصر.
وفيها كانت وقعة عظيمة بين الإسلام والروم، ونصر المسلمون، وللّه الحمد، ومقدمهم السلطان ألب أرسلان، وأسر ملك الروم، ثم أطلقه بمال جزيل، وهادنه خمسين سنة.
ولما أطلق قال للسلطان: أين جهة الخليفة؟ فأشار له، فكشف رأسه، وأومأ إلى الجهة بالخدمة.
وفي سنة أربع وستين كان الوباء في الغنم إلى الغاية.
وفي سنة خمس وستين قتل السلطان ألب أرسلان، وقام في الملك بعده ولده ملكشاه، ولقب «جلال الدولة»، ورد تدبير الملك إلى نظام الملك، ولقبه «الأتابك»، وهو أوّل من لقبه، ومعناه الأمير الوالد.
وفيها اشتد الغلاء بمصر، حتى أكلت امرأة رغيفا بألف دينار، وكثر الوباء إلى الغاية.
وفي سنة ست وستين كان الغرق العظيم ببغداد، وزادت دجلة ثلاثين ذراعا، ولم يقع مثل ذلك قط، وهلكت الأموال والأنفس والدواب، وركبت الناس في السفن، وأقيمت الجمعة في الطيار على وجه الماء مرّتين، وقام الخليفة يتضرّع إلى اللّه، وصارت بغداد ملقة واحدة، وانهدم مائة ألف دار أو أكثر.