وفي سنة ثلاث وعشرين كان فتح كرمان، وسجستان، ومكران من بلاد الجبل، وأصبهان ونواحيها.
وفي آخرها كانت وفاة سيدنا عمر ﵁، بعد صدوره من الحج، شهيدا، قال سعيد بن المسيب: لما نفر عمر من منى أناخ بالأبطح، ثم استلقى ورفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط، فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل، أخرجه الحاكم.
وقال أبو صالح السمان: قال كعب الأحبار لعمر: أجدك في التوراة تقتل شهيدا، قال: وأنى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟
وقال أسلم: قال عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك، أخرجه البخاري.
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر فقال: رأيت كأن ديكا نقرني نقرة أو نقرتين، وإني لأراه إلا حضور أجلي، وإن قوما يأمروني أن أستخلف، وإن اللّه لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول اللّه ﷺ وهو راض عنهم، أخرجه الحاكم.
قال الزهري: كان عمر ﵁ لا يأذن لسبي قد احتلم في دخول المدينة حتى كتب إليه المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يذكر له غلاما عنده جملة صنائع، ويستأذنه أن يدخل المدينة، ويقول: إن عنده أعمالا كثيرة فيها منافع للناس، إنه حداد، نقاش، نجار، فأذن له أن يرسله المدينة، وضرب عليه المغيرة مائة درهم في الشهر، فجاء إلى عمر يشتكي شدة الخراج، فقال: ما خراجك بكثير، فانصرف ساخطا يتذمر، فلبث عمر ليالي ثم دعاه فقال: ألم أخبر أنك تقول: لو أشاء لصنعت رحى تطحن بالرمح؟ فالتفت إلى عمر عابسا وقال:
لأصنعن لك رحى يتحدث الناس بها، فلما ولّي قال عمر لأصحابه: أوعدني العبد آنفا، ثم اشتمل أبو لؤلؤة على خنجر ذي رأسين، نصابه في وسطه، فكمن بزاوية من زوايا المسجد في الغلس، فلم يزل هناك حتى خرج عمر يوقظ الناس للصلاة، فلما دنا منه طعنه ثلاث طعنات، أخرجه ابن سعد.