للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وطيب حسن الموضع وكثرة الخضرة، فرأى فيها سمكة كأنها سبيكة فضة، فأعجبته، فلم يقدر أحد يسبح في العين لشدة بردها، فجعل لمن يخرجها سيفا، فنزل فراش فاصطادها وطلع، فاضطربت وفرت إلى الماء، فتنضح صدر المأمون ونحره وابتلّ ثوبه، ثم نزل الفراش ثانية فأخذها، فقال المأمون: تقلى الساعة، ثم أخذته رعدة، فغطي باللحف - وهو يرتعد ويصيح - فأوقدت حوله نار فأتي بالسمكة، فما ذاقها لشغله بحاله، ثم أفاق المأمون من غمرته، فسأل عن تفسير المكان بالعربي؟ فقيل: مد رجليك، فتطير به، ثم سأل عن اسم البقعة، فقيل: الرقة. وكان فيما علم من مولده أنه يموت بالرقة، فكان يتجنب نزول الرقة [فرقا من الموت] فلما سمع هذا من الروم عرف وأيس، وقال: يا من لا يزول ملكه، ارحم من قد زال ملكه، ولما وردت وفاته بغداد. قال أبو سعيد المخزومي:

هل رأيت النجوم أغنت عن المأ … مون أو عن ملكه المأسوس (١)

خلفوه بعرصتي طرسوس … مثل ما خلفوا أباه بطوس

قال الثعالبي: لا يعرف أب وابن من الخلفاء أبعد قبرا من الرشيد والمأمون.

قال: وكذلك خمسة من أولاد العباس تباعدت قبورهم أشد تباعد، ولم ير الناس مثلهم، فقبر عبد اللّه بالطائف، وعبيد اللّه بالمدينة، والفضل بالشام، وقثم بسمرقند، ومعبد بإفريقية.

[فصل في نبذ من أخبار المأمون]

قال نفطويه: حدثنا حامد بن العباس بن الوزير قال: كنا بين يدي المأمون، فعطس، فلم نشمته، فقال: لم لا تشمتونني؟ قلنا: أجللناك يا أمير المؤمنين، قال: لست من الملوك التي تتجالّ عن الدعاء.

وأخرج ابن عساكر عن أبي محمد اليزيدي قال: كنت أؤدّب المأمون، فأتيته يوما - وهو داخل - فوجهت إليه بعض الخدم يعلمه بمكاني، فأبطأ، ثم وجهت أليه آخر، فأبطأ، فقلت: إن هذا الفتى ربما تشاغل بالبطالة، فقيل: أجل، ومع هذا إنه إذا فارقك تعرّم على خدمه ولقوا منه أذى شديدا، فقومه بالأدب، فلما خرج


(١) هكذا في الأصول والطبري وابن كثير ونسخة من المروج، وفي أخرى منه «المأنوس».

<<  <  ج: ص:  >  >>