وفيها هاج الأمراء بواسط على سيف الدولة، فهرب في البريد يريد بغداد، ثم سار إلى الموصل أخوه ناصر الدولة خائفا لهرب أخيه، وسار من واسط تورون (١)، فقصد بغداد وقد هرب منه سيف الدولة إلى الموصل، فدخل تورون بغداد في رمضان، فخلع عليه المتقي، وولاه أمير الأمراء، ثم وقعت الوحشة بين المتقي وتورون، فأرسل تورون أبا جعفر بن شيرزاد، من واسط إلى بغداد، فحكم عليها وأمر ونهى، فكاتب المتقي ابن حمدان بالقدوم عليه، فقدم في جيش عظيم، واستتر ابن شيرزاد، فسار المتقي بأهله إلى تكريت، وخرج ناصر الدولة بجيش كثير من الأعراب والأكراد إلى قتال تورون، فالتقيا بعكبرا، فانهزم ابن حمدان والمتقي إلى الموصل، ثم تلاقوا مرة أخرى فانهزم ابن حمدان والخليفة إلى نصيبين، فكتب الخليفة إلى الأخشيد صاحب مصر أن يحضر إليه، ثم بان له من بني حمدان الملل والضجر، فراسل الخليفة تورون في الصلح، فأجاب وبالغ في الأيمان، ثم حضر الأخشيد إلى المتقي وهو بالرقة وقد بلغه مصالحة تورون، فقال:
يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وفجورهم وغدرهم، فاللّه اللّه في نفسك، سر معي إلى مصر، فهي لك، وتأمن على نفسك، فلم يقبل، فرجع الأخشيد إلى بلاده، وخرج المتقي من الرقة إلى بغداد في رابع المحرم سنة ثلاث وثلاثين، وخرج للقائه تورون، فالتقيا بين الأنبار وهيت، فترجل تورون وقبّل الأرض، فأمره المتقي بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيم الذي ضربه له، فلما نزل قبض عليه وعلى ابن مقلة ومن معه، ثم كحل الخليفة وأدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبردة والقضيب، وأحضر تورون عبد اللّه بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقب المستكفي باللّه، ثم بايعه المتقي المسمول، وأشهد على نفسه بالخلع مع ذلك لعشر بقين من المحرم - وقيل: من صفر - ولما كحل قال القاهر:
صرت وإبراهيم شيخي عمى … لا بد للشيخين من مصدر
ما دام تورون له إمرة … مطاعة فالميل في المجمر
ولما بلغ القاهر أنه سمل قال: صرنا اثنين نحتاج إلى ثالث، فكان كذلك، سمل المستكفي.
(١) كذا في ابن الأثير (١٤٠/ ٨) بالراء المهملة، والصحيح توزون كما أثبتناه.