للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وفي سنة ثلاث وعشرين تمكن الراضي باللّه وقلد ابنيه أبا الفضل وأبا جعفر المشرق والمغرب.

وفيها كانت واقعة ابن شنبوذ (١) المشهورة واستتابته عن القراءة بالشاذ والمحضر الذي كتب عليه، وذلك بحضرة الوزير أبي علي بن مقلة.

وفيها في جمادى الأولى هبت ريح عظيمة ببغداد، واسودت الدنيا، وأظلمت من العصر إلى المغرب.

وفيها في ذي القعدة انقضّت النجوم سائر الليل انقضاضا عظيما ما رؤي مثله.

وفي سنة أربع وعشرين تغلب محمد بن رائق أمير واسط ونواحيها، وحكم على البلاد، وبطل أمر الوزارة والدواوين، وتولى هو الجميع وكتابه، وصارت الأموال تحمل إليه، وبطلت بيوت المال، وبقي الراضي معه صورة وليس له من الخلافة إلا الاسم.

وفي سنة خمس وعشرين اختلّ الأمر جدا، وصارت البلاد بين خارجي قد تغلب عليها، أو عامل لا يحمل مالا، وصاروا مثل ملوك الطوائف، ولم يبق بيد الراضي غير بغداد والسواد مع كون يد ابن رائق عليه، ولما ضعف أمر الخلافة في هذه الأزمان ووهت أركان الدولة العباسية، وتغلبت القرامطة والمبتدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأموي المرواني وقال: أنا أولى الناس بالخلافة، وتسمى بأمير المؤمنين الناصر لدين اللّه، واستولى على أكثر الأندلس، وكانت له الهيبة الزائدة والجهاد والغزو والسيرة المحمودة، استأصل المتغلبين، وفتح سبعين حصنا، فصار المسمون بأمير المؤمنين في الدنيا ثلاثة: العباسي ببغداد، وهذا بالأندلس، والمهدي بالقيروان.

وفي سنة ست وعشرين خرج بجكم على ابن رائق، فظهر عليه، واختفى ابن رائق، فدخل بجكم بغداد، فأكرمه الراضي، ورفع منزلته، ولقبه أمير


(١) هو أبو الحسن محمد بن أيوب، ابن شنبوذ، مقرئ، من كبارهم انفرد بشواذ كان يقرأ بها في المحراب، فعلم الوزير ابن مقلة بأمره، فأحضره وأحضر معه بعض القراء، فناظروه، فنسبهم إلى الجهل وأغلظ للوزير، فأمر بضربه ثم استتيب غضبا ونفي إلى المدائن. توفي ببغداد وقيل في محبسه بدار السلطان سنة ٣٢٨ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>