هؤلاء أشد الناس بغضا لنا وطعنا علينا وسعيا في فساد ملكنا بعد أخذنا بثأرهم ومساهمتنا إياهم ما حويناه، حتى إنهم لأميل إلى بني أمية منهم إلينا، فأما ولده لصلبه فهم سادة الأهل والسابقون إلى الفضل، ولقد حدثني أبي المهدي عن أبيه المنصور عن محمد بن علي عن أبيه عن ابن عباس أنه سمع النبي ﵌ يقول في الحسن والحسين:«من أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني» وسمعه يقول: «فاطمة سيدة نساء العالمين، غير مريم ابنة عمران وآسية ابنة مزاحم».
روي أن ابن السماك دخل على الرشيد يوما، فاستسقى، فأتي بكوز، فلما أخذه قال: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو منعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك اللّه تعالى، فلما شربها قال: أسألك لو منعت خروجها من بدنك بما ذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي، قال: إن ملكا قيمته شربة ماء وبولة لجدير أن لا ينافس فيه، فبكى هارون بكاء شديدا.
وقال ابن الجوزي: قال الرشيد لشيبان: عظني، قال: لأن تصحب من يخوفك حتى يدركك الأمن خير لك من أن تصحب من يؤمنك حتى يدركك الخوف، فقال الرشيد: فسّر لي هذا، قال: من يقول لك: أنت مسؤول عن الرعية فاتق اللّه أنصح لك ممن يقول: أنتم أهل بيت مغفور لكم، وأنتم قرابة نبيكم ﵌، فبكى الرشيد حتى رحمه من حوله.
وفي كتاب الأوراق للصولي بسنده: لما ولي الرشيد الخلافة واستوزر يحيى بن خالد قال إبراهيم الموصلي:
ألم تر أن الشمس كانت مريضة … فلما أتى هارون أشرق نورها
تلبست الدنيا جمالا بملكه … فهارون واليها ويحيى وزيرها
فأعطاه مائة ألف درهم، وأعطاه يحيى خمسين ألفا.
ولداود بن رزين الواسطي فيه:
بهارون لاح النور في كل بلدة … وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات اللّه أصبح شغله … فأكثر ما يعنى به الغزو والحج