فأعجب به المنصور، وقال: ما حاجتك؟ قال: تكتب إلى عاملك بالمدينة أن لا يحدّني إذا وجدني سكران، فقال: لا أعطل حدا من حدود اللّه، قال:
تحتال لي، فكتب إلى عامله: من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة، واجلد ابن هرمة ثمانين.
فكان العون إذا مرّ به وهو سكران يقول: من يشتري مائة بثمانين؟ ويتركه ويمضي.
قال: وأعطاه المنصور في هذه المرّة عشرة آلاف درهم، وقال له: يا إبراهيم احتفظ بها، فليس لك عندنا مثلها، فقال: إني ألقاك على الصراط بها بختمة الجهبذ.
ومن شعر المنصور، وشعره قليل:
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة … فإنّ فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة … وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي: كنت أطلب العلم مع أبي جعفر المنصور قبل الخلافة، فأدخلني منزله، فقدم إليّ طعاما لا لحم فيه ثم قال: يا جارية عندك حلواء؟ قالت: لا، قال: ولا التمر؟ قالت: لا، فاستلقى وقرأ ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ (١) الآية، فلما ولي الخلافة وفدت إليه فقال: كيف سلطاني من سلطان بني أمية؟ قلت: ما رأيت في سلطانهم من الجور شيئا إلا رأيته في سلطانك، فقال: إنا لا نجد الأعوان، قلت: قال عمر بن عبد العزيز: إن السلطان بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها، فإن كان برا أتوه ببرهم، وإن كان فاجرا أتوه بفجورهم، فأطرق.
ومن كلام المنصور: الملوك تحتمل كل شيء إلا ثلاثة خلال: إفشاء السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك، أسنده الصولي.
وقال: إذا مد عدوك إليك يده فاقطعها إن أمكنك، وإلا فقبلها، أسنده أيضا.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: مما يؤثر من ذكاء المنصور أنه