للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثيابهم، المشققة أرجلهم، الطويلة شعورهم، برد الآفاق ونقلة الحديث.

وأخرج عن عبد الصمد بن علي أنه قال للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو، قال: لأن بني مروان لم تبل رممهم، وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين قوم قد رأونا أمس سوقة، واليوم خلفاء، فليس تتمهد هيبتنا في صدورهم إلا بنسيان العفو واستعمال العقوبة.

وأخرج عن يونس بن حبيب قال: كتب زياد بن عبد اللّه الحارثي إلى المنصور يسأله الزيادة في عطائه وأرزاقه، وأبلغ في كتابه، فوقع المنصور في القصة: إن الغنى والبلاغة إذا اجتمعتا في رجل أبطرتاه، وأمير المؤمنين يشفق عليك من ذلك، فاكتف بالبلاغة.

وأخرج عن محمد بن سلام قال: رأت جارية المنصور قميصه مرقوعا، فقالت: خليفة وقميصه مرقوع، فقال: ويحك! أما سمعت قول ابن هرمة (١):

قد يدرك الشرف الفتى ورداؤه … خلق وجيب قميصه مرقوع

وقال العسكري في الأوائل: كان المنصور في ولد العباس كعبد الملك في بني أمية في بخله، رأى بعضهم عليه قميصا مرقوعا، فقال: سبحان من ابتلى أبا جعفر بالفقر في ملكه! وحدا به سلم الحادي، فطرب حتى كاد يسقط من الراحلة، فأجازه بنصف درهم، فقال: لقد حدوت بهشام، فأجازني بعشرة آلاف، فقال: ما كان له أن يعطيك ذلك من بيت المال، يا ربيع وكّل به من يقبضها منه، فما زالوا به حتى تركه على أن يحدو به ذهابا وإيابا بغير شيء.

وفي كتاب الأوائل للعسكري: كان ابن هرمة شديد الرغبة في الخمر، فدخل على المنصور فأنشده (٢):

له لحظات من حفافي سريره … إذا كرها فيها عقاب ونائل

فأم الذي أمّنت آمنة الردى … وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل


(١) إبراهيم بن علي بن سلمة بن عامر بن هرمة الكناني القرشي، أبو إسحاق، شاعر غزل من سكان المدينة، ولد عام ٩٠ هـ، من مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. مدح الوليد فأجازه، ثم وفد على المنصور العباسي. وهو آخر الشعراء الذين يحتجّ بشعرهم. قال الأصمعي: ختم الشعراء بابن هرمة. توفي عام ١٧٦ هـ.
(٢) انظر العقد الفريد م ١ ص ٣٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>