دخل المدينة فقال للربيع: اطلب لي رجلا يعرفني دور الناس، فجاءه رجل، فجعل يعرفه الدور، إلا أنه لا يبتدئ به حتى يسأله المنصور، فلما فارقه أمر له بألف درهم، فطالب الرجل الربيع بها، فقال: ما قال لي شيئا، وسيركب فذكره، فركب مرة أخرى، فجعل يعرفه، ولا يرى موضعا للكلام، فلما أراد أن يفارقه قال الرجل مبتدئا: وهذه يا أمير المؤمنين دار عاتكة التي يقول فيها الأحوص (١):
يا بيت عاتكة الذي أتعزل … حذر العدى وبك الفؤاد موكل (٢)
فأنكر المنصور ابتداءه، فأمرّ القصيدة على قلبه فإذا فيها:
وأراك تفعل ما تقول وبعضهم … مذق اللسان يقول ما لا يفعل
فضحك وقال: ويلك يا ربيع! أعطه ألف درهم.
وأسند الصولي عن إسحاق الموصلي قال: لم يكن المنصور يظهر لندمائه بشرب ولا غناء، بل يجلس وبينه وبين الندماء ستارة، وبينهم وبينها عشرون ذراعا، وبينهما وبينه كذلك، وأول من ظهر للندماء من خلفاء بني العباس المهديّ.
وأخرج الصولي عن يعقوب بن جعفر قال: قال المنصور لقثم بن العباس بن عبد اللّه بن العباس، وكان عامله على اليمامة والبحرين: ما القثم؟ ومن أي شيء أخذ؟ فقال: لا أدري، فقال: اسمك اسم هاشمي لا تعرفه، أنت واللّه جاهل، قال: فإن رأى أمير المؤمنين أن يفيدنيه، قال: القثم الذي ينزل بعد الأكل (٣) ويقثم الأشياء: يأخذها ويثلمها.
(١) عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن عاصم الأنصاري من بني ضبيعة: شاعر هجاء صافي الديباجة، من طبقة جميل ونصيب. كان معاصرا لجرير والفرزدق، وهو من سكان المدينة، وفد على الوليد بن عبد الملك فأكرمه، ثم بلغه ما ساءه من سيرته فردّه إلى المدينة وأمر بجلده، فجلد ونفي إلى «دهلك» (جزيرة بين اليمن والحبشة) فبقي بها إلى ما بعد وفاة عمر بن عبد العزيز فأطلقه يزيد بن عبد الملك، فقدم دمشق ومات فيها عام ١٠٥ هـ. لقب بالأحوص لضيق في مؤخر عينيه. (٢) أتعزّل - وهي بالهاء المهملة - بمعنى أتجنب. (٣) كذا في الأصل، وفي القاموس: القثم الكثير العطاء، المعطاء، وهو معدول عن قائم أي معطاء.