اثنتين وسبعين، ورزقت التبحر في علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء، لا على طريق العجم وأهل الفلسفة، والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة سوى الفقه والنقول التي اطّلعت عليها فيها، لم يصل إليه ولا وقف عليه أحد من أشياخي، فضلا عمّن هو دونهم، وأما الفقه فلا أقول ذلك فيه، بل شيخي فيه أوسع نظرا وأطول باعا، ودون هذه السبعة في المعرفة أصول الفقه والجدل والتصريف، ودونها الإنشاء والترسّل والفرائض، ودونها القراءات، ولم آخذها عن شيخ، ودونها الطبّ، وأما الحساب فأعسر شيء عليّ وأبعده عن ذهني، وإذا نظرت في مسألة تتعلق به، فكأنما أحاول جبلا أحمله، وقد كملت عندي الآن آلات الاجتهاد بحمد اللّه، أقول ذلك تحدّثا بنعمة اللّه لا فخرا … ولو شئت أن أكتب في كل مسألة مصنّفا بأقوالها وأدلّتها النقلية والقياسية ومداركها ونقوضها وأجوبتها والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها لقدرت على ذلك من فضل اللّه ومنّه لا بحولي ولا بقوّتي .. ».
وقد ذكر تلميذه الداودي في ترجمته أسماء شيوخه إجازة وقراءة وسماعا مرتبين على حروف المعجم فبلغت عدتهم أحدا وخمسين نفسا، واستقصى أيضا مؤلفاته الحافلة الكثيرة الكاملة الجامعة النافعة المتقنة المحررة المعتمدة المعتبرة فنافت على خمسمائة مؤلف، وشهرتها تغني عن ذكرها، وقد اشتهر أكثر مصنفاته في حياته في أقطار الأرض شرقا وغربا، وكان آية كبرى في سرعة التأليف، حتى قال الداودي: عاينت الشيخ وقد كتب في يوم واحد ثلاثة كراريس تأليفا وتحريرا، وكان مع ذلك يملي الحديث ويجيب عن المتعارض منه بأجوبة حسنة، وكان أعلم أهل زمانه بعلم الحديث وفنونه رجالا وغريبا ومتنا ومسندا واستنباطا للأحكام منه، وأخبر عن نفسه أنه يحفظ مائتي ألف حديث، وقال: لو وجدت أكثر لحفظته ولعله لا يوجد على وجه الأرض الآن أكثر من ذلك.
ولما بلغ الأربعين سنة أخذ في التجرّد للعبادة والانقطاع إلى اللّه تعالى والاشتغال به صرفا، والإعراض عن الدنيا وأهلها، كأنه لم يعرف أحدا منهم، وشرع في تحرير مؤلفاته، وترك الإفتاء والتدريس، واعتذر عن ذلك في مؤلف سمّاه بالتنفيس. ثم أقام في روضة المقياس فلم يتحول منها إلى أن مات، ولم يفتح طاقات بيته التي على النيل من سكناه. وكانت وفاته في سحر ليلة الجمعة تاسع عشر جمادى