للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأولى سنة إحدى وعشرة وتسعمائة، في منزله بعد أن تمرض سبعة أيام بورم شديد في ذراعه الأيسر عن إحدى وستين سنة وعشرة أشهر وثمانية عشر يوما، ودفن في حوش قوصون خارج باب القرافة، وصلّي عليه غائبة بدمشق بالجامع الأموي يوم الجمعة ثامن رجب من السنة المذكورة، وقيل أخذ الغاسل قميصه وقبعه، فاشترى بعض الناس قميصه من الغاسل بخمسة دنانير للتبرك به، وباع قبعه بثلاثة دنانير.

وقد قيلت فيه المراثي الحافلة، ولم نقف إلاّ على واحدة منها ذكرت في تاريخ ابن طولون، ذكر أنه استملاها من بعض من قدم عليهم دمشق من القادمين، ومنها:

مات جلال الدين غيث الورى … مجتهد العصر إمام الوجود

وحافظ السنّة مهدي الهدى … ومرشد الضالّ بنفع يعود

فيا عيوني انهملي بعده … ويا قلوب انفطري بالوقود

واظلمي يا دنيا إذ حقّ ذا … بل حقّ أن ترعد فيك الرعود

عاش الأسيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) في عصر المماليك المتوسط، وهو عصر جمع وشرح وتفسير، لا عصر إبداع واستنباط، وكانت حياته ومؤلفاته أفضل أنموذج عن الحياة العلمية في ذلك العصر، ويمكن اعتبار كتاباته الموسوعية (الأنسيكلوبيدية) في موضوعاتها ودائرة اتساعها وشمولها، محصلة العلوم الإسلامية في القرن الخامس عشر الميلادي. فبراعة عبد الرحمن التي لم تعرف الملل، لم تترك موضوعا في حقل المعرفة والعلوم إلا تناولته بإسهاب، فقد برز في العلوم القرآنية والحديثية والفقهية، ثم تناول علوم الفلسفة والتاريخ، وأنشأ في العلوم الفنية والأدبية واللغوية، إلى غير ذلك من مختلف العلوم الرائجة.

وقد قال عن نفسه في ترجمة حياته في «حسن المحاضرة»: إنه وضع ثلاثمائة مؤلّف، وذكر تلميذه ابن إياس في «تاريخ مصر» أن مصنّفات أستاذه بلغت ستمائة مؤلف. وجمع له العالم الألماني فلوغل (Flugel) قائمة حوت خمسمائة وواحد وستين مصنّفا. وهو عدد يكاد يكون غير قابل للتصديق، لولا أن بعضها كراريس قصيرة تدل على رغبة الأسيوطي في طرق مواضيع غريبة واهية كما تدل عناوينها.

<<  <  ج: ص:  >  >>