للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بالمملكة فاضطرب أمرها حتى كانت أيامه كلها أيام ثورات تفرقت بها القلوب بعد ائتلافها وكثر عدد الخارجين عن سلطته حتى صار في كل جهة متغلب أو مستقل وليس ذلك يبدع فإن الجسم إذا طال فيه أمر العلة حتى أوشكت تزمن وجنته بالإصلاح والعلاج ثارت فيه ثائرة ربما خيف منها على سائر الأضلاع ذلك مثل عبد الله بن محمد في ملكه إذ فجأ أهل الدولة وهم بين مسيطر وسلاب ونهاب فنزع عن نفسه حجب الجلالة والعظمة وأمر ببناء ساباط بين قصره والجامع في قرطبة فكان يتعد فيه قبل صلاة الجمعة وبعدها فيرى الناس ويشرف على أخبارهم وحركاتهم ويسر بجماعاتهم ويسمع قول المتظلم ولا يخفى عليه شيء من أمورهم وأخذ يقعد أيضا على بعض أبواب قصره (سرايه) أياما معلومة فترفع إليه الظلامات وتصل إليه الكتب على باب حديد صنع لذلك فلا يتعذر على ضعيف إيصال بطاقة بيده ولا إنهاء مظلمة على لسانه.

قال صاحب البيان المغرب: وكان أهل المكانات والمقربون منه يتحفظون من كل أمر يوجب الشكوى منهم .. وكانت اللذات مهجورة في أيامه واللهو غير مقترف من أكثر الأمة، ويسمى أحد أبواب القصر «باب العدل» يباشر فيه أحوال الناس بنفسه ولا يجعل بينه وبين المظلوم سترا، وربما عيب علي كرهه للسرف وميله إلى الاقتصاد في النفقة والعطايا إلا ما كان منها في سبيل الصدقات والمبرات فإنه لم يكن يرى بأسا بالإنفاق الغزير فيها مما يدل على أن اقتصاده الأول لا يسمى بخلا كما عرفه به بعض المؤرخين، فالبخيل الشحيح يتعلق بالدرهم والدينار فيحجبهما عن كل سبيل لا يفرق بين الصدقة والجائزة، ولا بين الإكرام والإحسان، وكان موصوفا بالورع وصلاح القلب، متفننا بضروب العلوم، بصيرا بلغات قبائل العرب، فصيح اللسان، حسن البيان؛ أما صورته فأبيض مشرب بالحمرة أصهب أزرق أقنى الأنف، ربعة إلى الطول، يخضب بالسواد، عظيم الكراديس، وكان أديبا حافظا لأشعار العرب وأيامهم، وسير

<<  <   >  >>