أيام سكون وعافية وكثرت عنده الأموال، وكان عالي الهمة له غزوات كثيرة، وكان أديبا ينظم الشعر للهو به في بعض أوقات خلوه، عالما بعلوم الشريعة وغيرها من علوم الفلاسفة، وهو معدود في جملة من عشق جواريه كان يأنس بهن ويداعبهن كلما فرغ من عناء غزوة أو انتهى من نصب حرب، وكان يميل إلى جارية له اسمها طروب ونظم بها شعرا فشهر بها وأغدق عليها الأموال وله أخبار معها، ولم يكن في بطشه كأبيه بل خالفه في كثير من أخلاقه فاستعاض باللين عن الشدة وبتهدئة الفتن عن اقتحام حروبها، وشعره جيد، منه قوله يصف حالة المعزول:
أرى المرء بعد العزل يرجع عقله … وقد كان في سلطانه ليس يعقل
فتلفيه جهم الوجه ما كان واليا … ويسهل منه ذاك ساعة يعزل
ومن كلامه ما وقع به إلى بعض عماله وقد كتب إليه يسأله عملا لم يكن أهلا له فذيله بقوله:«من لم يصب وجه مطلبه كان الحرمان أولى به».
ولد له نحو مئة ولد أكثرهم ذكور وخلف خمسة وأربعين ولدا ذكورا (١)، وكان ممدوح السيرة، مدة ولايته ٣١ سنة وثلاثة أشهر [وستة أيام]، وتوفي بقرطبة، وكان يشبه بالوليد بن عبد الملك في سياسته وتأنقه.
* *
ولما مات عبد الرحمن بن الحكم ملك ابنه أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن الحكم بن هشام، فجرى على سيرته عدلا وإحسانا للرعية ورأى الملك ثابت الأساس هادئا مطمئنا فصفت له أيامه، مولده في قرطبة سنة ٢٠٧ هـ، ووفاته سنة ٢٧٣ هـ وحكم خمسا وثلاثين سنة إلا شهرا، كان أبيض مشربا بحمرة ربعة أو قص وافر اللحية يخضب بالحناء، خلف ٣٣ ولدا ذكرا و ٢١ بنتا، وكان
(١) قال ابن عذاري: بنوه الذكور خمسة وأربعون، وبناته: اثنتان وأربعون (المقدم).