العباس، وكان ورعا دينا له فضل وعناية بالأدب ومعرفة حسنة بالكتابة ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان فكان يصلح فيه أشياء وكان مؤثرا للعدل والإنصاف يريد قضاء حاجات الناس لا يرى منعهم من شيء، هو لهم ولا يضجر من إلحاحهم وتكاثرهم على بابه، قال ابن الأثير:
قال محمد بن علي بن عامر الوكيل: دخلت يوما إلى المخزن فلم يبق أحد إلا أعطاني قصة (عرض حال) فامتلأت أكمامي منها، فقلت في نفسي: لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها فألقيتها في بركة والقائم ينظر ولا أشعر فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة فأخرجت ووقف عليها، فوقع فيها بأغراض أصحابها، ثم قال لي: يا عامي! ما حملك على هذا؟ فقلت: خوف الضجر منها، فقال: لا تعد إلى مثلها فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا إنما نحن وكلاء! ..
هذه ترجمة القائم بأمر الله في نفسه وأما ملكه فلم يزد على ما كان لأبيه ومن تقدمه، وقد طال عمره وحدثت في أيامه أمور ليست من أمور هذا الكتاب فارجع إليها في تواريخ الممالك والأزمنة إن أردتها، وكانت مدة خلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر، وعهد بالخلافة إلى ابن ابنه أبي القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله، ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه؛ لأن ابنه أبا العباس محمدا توفي في أيامه ولا عقب له إلا أن إحدى جواريه واسمها أرجوان كانت حاملا فوضعت بعد ستة أشهر من موت محمد بن القائم ولدا سمي عبد الله وكني أبا القاسم وسيأتي الكلام عليه.