(١٣) هَل تُكَفَّرُ الْكَبَائِر بغير توبة؟
جاء في "مجموع الفتاوى" (٧/ ٤٨٧ - ٥٠١): دَلَّتْ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: عَلَى أَنَ غقُوبَةَ الذُّنُوبِ تَزُولُ عَن الْعَبْدِ بِنَحْوِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ، وذكر منها:
الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود: ١١٤]، وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّوَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إذَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ" (١).
وَسُؤَالُهُم عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنْ يَقُولُوا: الْحَسَنَاتُ إنَّمَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ فَقَطْ، فَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا تُغْفَرُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ؛ كَمَا قَد جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ: "مَا اُجْتُنِبَت الْكَبَائِرُ".
فَيُجَابُ عَن هَذَا بِوُجُوه:
أَحَدُهَما: أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ جَاءَ فِي الْفَرَائِضِ؛ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْجُمُعَةِ وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: ٣١]؛ فَالْفَرَائِضُ مَعَ تَرْكِ الْكَبَائِرِ مُقْتَضِيَة لِتَكْفِيرِ السَّيئّاَتِ، وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الزَّائِدَةُ مِن التَّطَوُّعَاتِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ؛ فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)} [الزلزلة: ٧، ٨].
الثَّانِي: أَنَّهُ قَد جَاءَ التَّصْرِيحُ فِي كَثِيرٍ مِن الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمَغْفِرَةَ قَد تَكُونُ مَعَ الْكَبَائِرِ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: "غُفِرَ لَهُ وَإِن كَانَ فَرَّ مِن الزحْفِ" (٢).
(١) رواه مسلم (٢٣٣).(٢) رواه أبو داود (١٥١٧)، والترمذي (٣٥٧٧)، وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.