وَأَمَّا كَيْفَ يَحْصُلُ الْيَقِينُ؟ فَبِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا: تَدَبُّرُ الْقرْآنِ.
وَالثَّانِي: تَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي يُحْدِثُهَا اللهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ الَّتِي تُبَيِّنُ أَنَّهُ حَقٌّ.
وَالثَّالِثُ: الْعَمَلُ بِمُوجِب الْعِلْمِ (١)، قَالَ تَعَالَى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: ٥٣] وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ.
وَأمَّا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِن الْمُتَفَلْسِفَةِ وَمَن تَبِعَهُم مِن الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصوِّفَةِ: أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إلَى اللهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالْعَقْلِ: فَتَفْسِيرُ الْآيَةِ بِذَلِكَ خَطَأٌ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا.
فَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يُري الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةَ لِيُبَيِّنَ صِدْقَ الْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ، مَعَ أَنَّ شَهَادَتَهُ بِالْآيَاتِ الْمَسْمُوعَةِ كَافِيَةٌ.
لِأنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَدُلَّ عِبَادَهُ بِالْقُرْآنِ بِمُجَرَّدِ الْخَبَرِ كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِن أَهْلِ الْكَلَامِ: يَظُنُّونَ أَنَّ دَلَالَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ، وَالْخَبَرُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ الَّذِي هُوَ الرَّسُولُ. [٣/ ٣٢٩ - ٣٣١]
* * *
(معنى الذَّاتِ في اللغة)
٣٣١ - إِنَّ لَفْظَ (الذَّاتِ) فِي لُغَتِهِمْ (٢): لَمْ يَكُن كَلَفْظِ الذَّاتِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ بَل يُرَادُ بِهِ مَا يُضَافُ إلَى اللهِ؛ كَمَا قَالَ خبيب -رضي الله عنه-:
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإن يَشَأْ … يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزَّعِ
(١) قال الشيخ: فَإِنَّ الْعَمَلَ بِمُوجِب الْعِلْمِ يُثْبِتُهُ وَيُقَرِّرُرُ، وَمُخَالَفَتُهُ تُضْعِفُهُ بَل قَد تذْهِبُهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} [الأنعام ة ١١٠] (٣/ ٣٣٢).(٢) أي: الصحابة والتابعين.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.