للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومنها الخطبة التي خطب بها أول جمعة أقيمت بالجامع السيفي تنكز كافل الممالك الشامية وهي:

الحمد لله منشئ أصناف الأمم وصانعها، ومؤلف أشلائها بعد العدم وجامعها، ومنطق جوارحها بما اجترحت وسامعها، وباعث هممها على الخير ووازعها، ومجري سوابق آمالها في ميدان آجالها نحو مطامح مطامعها، الذي أجزل مواهب السعادة لمن شيد بيوت العبادة، وشكر صنيع من قدح بالإحسان زناده، فوعده بالحسنى وزيادة، وفضل بقاع الأرض بعضها على بعض، فأعلى في الشرف محلها، وناط بها أسباب السيادة، فاتخذها صالح عباده معاهد للعبادة، فطوبى لمن حلها وادخر من القلوب نفائس يحق في مثلها التنافس، ثم وفق لها قومًا كانوا أحق بها وأهلها. أحمده على ما أسبغ من نعم زكت، مغارسها، فصفت ملابسها، وأولاه من منن صفت مشارعها، فنمت مراتعها، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أحكم الإخلاص بالقلب معاقدها، وصفى من شوائب أكدار الشكوك مواردها، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله والكفر مخصبة مراتعه، آهلة بالأشقياء مرابعه، قد مد في الأرض خطاه، وتجاوز الحد في الطغيان وتخطاه، فلم يزل يهيج بنانه بجنوب الحق رضاء، ويبيد طغاته رطي الأثمان وشباه، حتى أصبح وارف زرعه غثاء، وأمسى آنس ربعه قواء، صلى الله عليه وعلى آله غدوة ومساء، صلاة يبلغهم بها من النعيم المقيم أملًا، ويحقق لهم رجاء. أيها الناس جدوا في الطاعة قبل تعذر الاستطاعة، وجذوا حبائل الأطماع بمدى القناعة، فكم أطلعكم الدهر بتقلبه على الحقائق، فأغفلتم إطلاعه، وكم أسمعكم لسان حوادثه أبلغ المواعظ لو وعيتم أسماعه. فيالها غافلة شاملة، وأمنية باطلة، وأطماعًا كاذبة وآمالًا خائبة، وقلوبًا عن العظات لاهية، وأسبابًا من التعلل واهية، فوجهوا رحمكم الله إلى جهة الاعتبار عيون أفكاركم، واثنوا إلى تأمل الآثار أعنة أسماعكم وأبصاركم، فإن من استمع لخطوب الأيام غني عن خطب الأنام، ومن اقترع مغالق الآثام، استأذن على الانتقام.

ومن خطبه في رأس السنة:

الحمد لله الذي لا تدرك عظمته ثواقب الأفهام، ولا تحيط بمعارف عوارفه خطوات الأوهام، ولا تبلغ مدى شكر نعمه محامد الأنام، الذي طرز بعسجد الشمس حواشي الأيام، ورصع بجواهر النجوم حلة الظلام، وفصل بلجين الأهلة عقود الشهور والأعوام، أحمده على نعمه الجلائل العظام، ومننه الشوامل الجسام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة لا ينقص لها تمام، ولا يخفر لها ذمام،

<<  <  ج: ص:  >  >>