أنس بالقفار، واجتنى كل حلوة، واجتلى كل خلوة قرب لغة العرب، وأنس منها ما اغترب، وكفى شر الانجاح، بما لا ينكر للجوهري من الصحاح. وكتابه الموسوم بالصحاح، هو الذي فاق بسعادة جده، وأمات ذكره كل كتاب في جلده، لم يسبق إلى وضعه، وما أتى فيه من صنعه لما أتى به فيه من حسن الترتيب، وقرب المأخذ في التبويب، فجمع من الأمور ملاكها، ومن لغة الجمهور أسلاكها، وهو اليوم مراد الأمل، ومُراد العمل، وشهرته وافيه بذكره، كافية في شكره، يعتق منه الألوة، وتشرق المحاسن المجلوة، ولا تتميز قمم الفرائد ما لم تكن منسوبه إلى صحاحه، ومحسوبة فيما وسم بصلاحه، فلو دعي الأصمعي لعذر مثله في السرد أو انتظمت أقوال النظام، لأنبت به الجوهر الفرد.
وهو من أعاجيب الدنيا ذكاءً، وفطنة، وعلمًا، وأصله من الفاراب من بلاد الترك، وكان يضرب به المثل في اللغة [و] في حسن الكتابة، ويذكر خطه مع خط ابن مقلة، ومهلهل، واليزيدي، وكان يؤثر الغربة على الوطن، ودخل بلاد ربيعة ومضر في طلب الأدب، وحين قضى وطره من قطع الآفاق، والأخذ عن علماء الشام والعراق، عاود خراسان، فأنزله أبو علي الحسن بن علي الكاتب عنده وبالغ في إكرامه، ثم سكن نيسابور يدرس ويؤلف، ويعلم الكتابة ويكتب الختم.
ومن العجب أن أهل مصر يروون صحاحه عن ابن القطاع ولا يرويه أحد بخراسان. وقد قيل: إن ابن القطاع ركب له طريقًا لما رأى رغبة المصريين فيه، فرواه لهم.