للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يا نُحاةُ الزَمُوا السُّكَّكْ … ثمَّ حُلُّوا عَنِ التِّكَكْ

واكشِفُوا عَنْ فِقاحِكُمْ … قد أتتْ لحيةُ المُلكْ

لِحْيَةٌ سُرْمُ سيبويـ … ـه علها قد انتهك

وحكي أن ملك النحاة كان يكثر ذكر مصر، ويؤمل حلولها، ويود أن يطل دمه ويرى طلولها، وكان بها رجل اسمه زيد صديقًا لعرقلة الدمشقي، فولي بها الحسبة واستغزر في متاجرها كسبه، وأتت الأخبار بولايته، وحصوله على أكثر من كفايته، فداخل ملك النحاة له الحسد، وقال: لو أتيت مصر لكسد، فقال عرقلة:

[مجزوء البسيط]

قدْ جُنَّ شيخي أبو نزار … بذكر مصر وأينَ مِصْرُ

والله لو حلها لقالُوا … قفاه يا زيد فهو عمرو

ووقف يومًا عرقلة على حلقته، وقد كبر العمامة، وطول أكمامها، ونفش سباله، وفتل من شواربه الطوال حباله، وأخذ في ذكر علم النحو، وقد شمخ بمارينه الاختيال به والزهو، فطلب عرقلة رجلًا من الحلقة، فلما أتى جذبه على أنه يُسر إليه في مقال، ثم رفع صوته، وقال: [مجزوء الخفيف]

قل لابن صافي الجُمَل … سارقِ علم الجُمَل

صدعت بالنَّحو الورى … رَحْمَ عِيالِ الدُّؤَلي

توفي يوم الثلاثاء تاسع شوال سنة ثمان وستين وخمسمائة.

ومنهم:

[٣٤] البحراني، وهو أبو عبد الله، محمد بن يوسف بن محمد بن قايد الخطيب (١)، موفق الدين

سبوق لا ترد له سائرة، وسبوح لا تجري معه في دائرة، طلع والشهب في مطالعها، والسحب في مطامعها، والليالي بثغور كواكبها مقبلة، ووجنات الأيام بخضرة أشجارها مقبلة، فانمحت آية الليل إذ طلع، واستقام الزمان وكان به طلع، وسطع نهارًا في تلك الدجنات، ونهارًا يفوح في أيدي الجناة، ثم لم يزل عليه عقد الجماعة، وعقد الخواطر للجماعة، فلما حم له أن يفارق، ويودّع وداع المفارق، أبقى ما كنز، ومضى


(١) ترجمته في: المختصر في أخبار البشر ٣/ ٧٧ - ٧٨، تاريخ ابن الوردي ٢/ ١٠١ - ١٠٢، تاريخ الاسلام (السنوات ٥٨١ - ٥٩٠ هـ) ص ٢٢٨ رقم ١٩٢.

<<  <  ج: ص:  >  >>