ولما جاءه المعتز ليؤدبه، فقال له: بأي شيء تبدأ تريد من العلم؟ فقال المعتز: بالانصراف، قال له ابن السكيت: فأقوم؟ فقال له المعتز: فأنا أخف نهوضًا منك. فقام فاستعجل، فعثر بسراويله فسقط، والتفت إلى ابن السكيت خجلًا، وقد احمر وجهه، فأنشد ابن السكيت: [من الطويل]
يصاب الفتى مِنْ عَثْرَةٍ بلسانِهِ … وليسَ يصاب المرء مِنْ عثرة الرجل
فعثرتُه في القول تُذهِبُ رأسَهُ … وعثرتُهُ في الرِّجْلِ تَبْرًا على مَهْلِ
فلما كان من الغد، دخل ابن السكيت على المتوكل، فأخبره بما جرى، فأمر له بخمسين ألف درهم، وقال له: قد بلغني البيتان.
وقال ابن خلكان (١): وكان لابن السكيت، شعر، وهو مما تثق النفس به، فمن ذلك قوله: [من الوافر]
إذا اشتملت على اليأس القلوب … وضاقَ لما به الصدرُ الرَّحِيبُ
وأوطنت المكاره واستقرَّتْ … وأرست في أماكنها الخُطوب
ولم ترَ لانكشاف الضُّر وجهًا … ولا أغنى بحيلته الأريب
أتاك على قنوط منكَ غَوْثُ … يَمُنُّ بهِ اللطيف المستجيب
وكل الحادثات إذا تناهت … فموصول بها فَرَجٌ قَريبُ
ومنهم:
[٩] سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشْمِيُّ، السجستاني (٢)، اللغوي، المقرئ، أبو حاتم
نزيل البصرة، وعالمها، وسابح لججها الغزار، وعائمها، سبق في الأدب إحسانًا، ونطق للعرب لسانًا، وكان لا يفل غربه، يستنفد غضبه، ولم يكن مثله من جشم، ولا مثله مهابًا في غير حشم، ولم يزل يؤم منه سهلًا، ويؤمل منه ما كان له أهلًا، تتوسمه فلا ترى محياه إلا طلقا، ولا ترد ماءه إلا طرقا، ولم يكن شبهه في حساب، ولا في خلائق بغير اكتساب.
(١) وفيات الأعيان ٦/ ٣٩٩ - ٤٠٠.
(٢) ترجمته في معجم الأدباء ١١/ ٢٦٣، الفهرست ٥٨، إنباه الرواة ٢/ ٥٨، بغية الوعاة ٢٦٥، تهذيب التهذيب ٤/ ٢٥٧، شذرات الذهب ٢/ ١٢١، غاية النهاية ١/ ٣٢٠، وفيات الأعيان ٢/ ٤٣٠ - ٤٣٣ رقم ٢٨٢.