بكير كان من أصحابه، وكان منقطعًا إلى الحسن بن سهل، فكتب إلى الفراء أن الأمير الحسن بن سهل ربما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن فلا يحضرني فيه جواب، فإن رأيت أن تجمع لي أصولًا، أو تجعل في ذلك كتابًا أرجع فيه. فقال الفراء لأصحابه: اجتمعوا حتى أملي عليكم كتابًا في القرآن، وجعل لهم يومًا، فلما حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذن ويقرأ بالناس في الصلاة، فالتفت إليه الفراء فقال له، إقرأ فاتحة الكتاب، ففسرها، ثم مر في الكتاب كله، يقرأ الرجل، ويفسر الفراء. فقال أبو العباس: لم يعمل أحد قبله مثله ولا أحسب أحدًا يزيد عليه.
قال ثعلب: وكان السبب في إملائه للحدود أن جماعة من أصحاب الكسائي صاروا إليه، وسألوه أن يُملَّ عليهم أبيات النحو، ففعل ذلك. فلما كان المجلس الثالث، قال بعضهم لبعض: إن دام على هذا، عَلَّمَ النحو الصبيان، والوجه أن نقعد عنه، فقعدوا عنه، فغضب، وقال: سألوني القعود، فلما قعدت تأخروا، والله لأملين النحو ما اجتمع اثنان، فأملى ست عشرة سنة، ولم ير في يده كتاب إلا مرة واحدة.
قال ثعلب: وكان الفراء يجلس للناس بمسجدٍ إلى جانب منزله، وكان الواقدي ينزل بإزائه. قال: وكان الفراء يتفلسف في تأليفاته وتصنيفاته حتى يسلك في ألفاظه كلام الفلاسفة، وكان أكثر مقامه ببغداد، كان يجمع طوال دهره فإذا كان آخر السنة، خرج إلى الكوفة، فأقام بها أربعين يومًا في أهله يفرق فيهم ما جمعه ويبرهم.
قال النديم: ولم يؤثر من شعره غير هذه الأبيات رواها أبو حنيفة الدينوري: [من الخفيف]
يا أميرًا على جريبٍ مِنَ الأر ضِ … له تسعةٌ مِنَ الحُجَّابِ
جالسًا في الخَرَابِ يحجب فيها … ماسمعنا بحاجب في خَرَابِ
لن تراني تلك العيون ببابٍ … ليس مثلي يُطيقُ ردَّ الجَوَابِ
وتوفي بطريق مكة سنة سبع ومائتين.
ومنهم:
[١١] سعيد بن مَسْعَدَة المجاشعي بالولاء، النحوي، البلخي، أبو الحسن، الأخفش الأوسط (١)