للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

باب المقبول، أو ما يدانيه، ويقال إنه كتب بخطه خمسمائة، وكان كل ما يكتبه على طريقة واحدة بقلم دقيق كتابة مغلقة التعليق لا يكاد يبين، ولم يزل يكتب، ويسهر الليل في الكتابة حتى كان يقضي الليالي الطوال كلها سهرًا، لا يلم فيها بكرى، ولا يطعم جفونه فيها بهجعة، وكان يتخذ إلى جانبه إناء فيه ماء، فإذا غالبه السهر، وكاد يصرعه الكرى، أخذ من الماء فسكب في عينيه، فعمي وعدم نور بصره، وحبس في محبس العمى في آخر عمره، وكان مع هذا رجلًا مغرمًا بالنساء، مغرى بالنكاح، لا تكاد تربط له تكة، ولا تقبض عنه مسكة، إلى ولع كما يقال بالخمر. عفى الله عنه، لا يترك كؤوسها عن مطاراحه، ولا يتعداها أمل اقتراحه. وكان رفقته يعيرونه بشرب الخمر، ويسمعونه فيها الملام، ويلحقون بسببه عليه الكلام، وكان يحتمل ويتدرع الصبر ويشتمل، فإذا أمضته ألسنتهم الراشقة، وطعنته أسنتهم الماشقة قال: آه لو كان للزنا واللواط رائحة تشم مثل رائحة الخمر حتى يهتك كل مستتر. ولكن بليت بما تشم له رائحة وابتلوا بما لا تشم له رائحة. وتزوج قريب موته من بنت أقوش قتال السبع، وكان أحد أمراء الدولة الأكابر فكان يطير بجناحيه، ويقاتل رفاقه المعتدين عليه بسلاحه، وكان ينسب إلى قضم الأعراض، وهتك الأحساب، والتجوز في الأذى والتقصد والضرر.

ومنهم:

[٣٥] محمد بن إبراهيم النجادي، البجلي (١)

لغوي سوى كلامه الذي يلقى، وغير كما من النقص الذي به يطغى، أتقن لغة العرب وضبطها، وقيد شواردها النادرة كالإبل وربطها، لا يدانيه ابن قريب، ولا أبو عبيدة له إلا من عبيد العريب، زين هذا بتفنن في الأدب، وتنوع في العلم مكتسب، وكان يتونس في ذرى ملك كسا العلا أثواب البقا، وعلا السماء مرتقى، وفضل أجود من الغمام، وإن لم تسأل حوى سبقًا ففات الأمم وفاء محاماة على الذمم.

وقد ذكره شيخنا أبو حيان وأثنى عليه بما لا تذهبه الأحيان، ومما أنشد له

قوله: [من مجزوء الرجز]

كم قلتُ إذ عِذارُ مَنْ … كانَ الفؤاد منزلة


(١) ترجمته في الوافي بالوفيات ٢/ ١٥ - ١٦، وفيه لقبه «التجاني البجلي».

<<  <  ج: ص:  >  >>