ضيف قوم كرام، قطيف يوم بلغ المرام برع نحوًا وأدبًا يصلح لكل نحوي أتى من الأندلس حاجًا ومعتمرًا، وركب ليلًا دجوجيًا ومقمرًا، حتى قضى تفثه، وأمضى ما حمله عليه العزم وبعثه، وقدم دمشق واستوطنها، واجتنى بطائنها، ونزل على بني الشيرجي. وسم في أرباب البيوت بها صدور مجالسها، وجنى مغارسها، وممتار أسواقها، وأقمار أنديتها الطالعة من أطواقها، بيد أنهم من عدد عدولها، ومدد سيولها، وذوي التصرف في خدم السلطان وخدم الملوك منذ حلوا تلك الأوطان، فألقى إليهم رحل رحلته وجمع شمل شملته، وأقام بينهم يرفد بالحباء الموفور، ويولي الأيادي التي ما استدنت إلى كنور. وله فيهم مدائح كنت وقفت على بعضها، ووقعت بين دارين والشحر في أرضها.
وفيما وقفت له على قصيدة وصف فيها طير الواجب تحرك إلى التبرز لرمي البندق، سواكن الهمم، ويعيد نشاط الشباب لأهل الهرم، لعبة كانت لسببه هذا البيت في رمي الطير الجليل، والخروج إليه بالصاحب والحليل، وأولها:[من الكامل]
ركب الدجى لا يرهب الأخطارا … ودَنَا على بُعْدِ المزار وزارا
ومن نثره من مقدمة كتبها للصدر شرف الدين أبي الفتح أحمد بن الشيرجي، أولها:
الحمد لله مسخر الطير في جو السماء، ومحيي الأرض بما من عليها من النعماء، الواجب وجوده فلا تغير يلحقه، المان بجوده فكل حي يرزقه، المتفضل على عباده بمحاسن الأخلاق، المتكفل لأجناس مخلوقاته بإدرار أنواع الأرزاق، الحاكم بإقعاد من انتهك حمى حرمه، القادر على إسعاد من تعرض لكرمه.
ومنها:
فالربيع يكسب الأرض برطوبته جمالًا وزخرفة، ويلبس الأرض من صنعه يد الشتاء حُللًا مفوفة، وأشجاره ترشح من عيونها بماء ورد، وأشجاره تتنفس فتخال تنفسها عنبر ند، حتى كأن الجو عطار يعد طبيبًا، والهزار قد أقام على رؤوس الأغصان خطيبًا، ومخايل الأوراق قد لاحت على تلك الخمائل، والورق قد غنت على
(١) ترجمته في: بغية الوعاة ١/ ٥٧٤ رقم ١٢٠٠، نقلًا عن المسالك.