للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عيدانه والغصن مائل، والروض قد وردت عليه من جداوله مسائل، والشتاء يجود على البطحاء بجود تهطله، ويعقب ظله بصيب وبله، وترى سنى برقه بين رعد وسحاب، ونزح دموع شوقًا لأيام الشباب، كأن السماء والرعد فيه تذكر الهوى لهما، فاستعبرت وتنهدا.

ومنها:

ولما كان فلان ثمرة غصن زكت مغارسه، ودرة بحر قذفت نفائسه، وزهرة حديقة أينعت أرجاؤها، ونجل رئاسة تشرف أباها أبناؤها، من نسب يعقد بالنجوم ذوائبه، وحسب تحط في مفارق النسر ركائبه. وعندما تمَّتْ أخلاقه الحميدة، وكملت والتحفت به هذه الأوصاف الجميلة، واشتملت رام أن يأخذ حبل السعادة بطرفيه، ويجمع بين محاسن الجد والهزل؛ ليحصل من السعد على شرفيه. ولم يزل يقلب طرفه من محاسن لهو يرتضيه، ويدبر فكره فيما يصلح له فيقتضيه، إلى أن شهر كذا من سنة كذا، فعمد إلى نيته المقبولة، فأمضاها ولم يكن إلا حاجة في نفس فلان قضاها، وخرج وقد أرجت نوافج المسك الأذفر، وماست معاطف الزند الأخضر، والأنهار مطردة بمائها، والأطيار غردة بغنائها إلى مظان الطير الجليل ومكامنه وطلبه كما يطلب الخير من معادنه، واستصحب معه من الرماة الأزكياء السادة الأذكياء، كل صادق القول، زكي الفعل، كثير الإمساك، قليل المثل، ممن برز في البرزات، وأظهر من يديه خوارق المعجزات، وله الوجوه المشكورة من غير نفاق والنكت المشهورة بين الرفاق، وقد ارتدوا ملابس الغيار، واطلعوا من أطواقها وجوهًا كالأقمار، وشدوا بالمناطق خصورًا تدق عن الأفكار، وتقلدوا حمائل جيوش صانت النجوم عن الأبصار، والتأموا بفضلات العمائم، واستغنوا بالخالق عن الرقى والتمائم، وقصدوا في طالع السعد والأمان دير سليمان، فلما أدنت الشمس بالفراق وكادت تبلغ نفس النهار التراق، استدارت الجماعة استدارة الأنامل بالأقداح وامتزاج الأشباح بالأرواح، ودارت عليهم بالسؤال للسرور كؤوس، ومالت منهم للطرب أعناق ورؤوس. فلما أنفقت خطتهم، وافترقت خلطتهم، انتشروا في تلك الرياض انتشار العيون، ووثبوا في تلك النواحي وثوب الليوث، فلله درهم من فرسان مواكب، وشجعان كتائب، إن ركبوا خلت آساد جفان، وإن ترجلوا قلت ظباء وغزلان. هذا وهو بينهم كالقمر لا بين النجوم والشمس في خلال الغيوم، قوله: [من الكامل]

السَّعْدُ في نظراتِهِ والموتُ في … سَطَواتِهِ والفَضْلُ من أفضاله

والشمس تحجب وجهَها عَنْ وجهه … والبدر يبدو خاضعًا لجماله

<<  <  ج: ص:  >  >>