المحدق بصرًا، ولا ينطق المنطق حصرًا، وكان إذا سئل ورد الجياد بباحته، ولم يخرج النطق منه إلا لحاجته، هذا لأنه لا يتكلم بمجان، ولا يزال كأنه يتكمم ولسانه يهتز كأنه جان، وكان ظنه يصدق ولا يتوهم، وفنه وما راق من برد الليل المسهم.
وكان مقدمًا في معرفة اللغات، ذا قلم جار، صنف كتاب «العالم في اللغة» مائة مجلد على الأجناس، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة.
ومنهم:
[٣٠] تمام بن غالب بن عمر اللغوي المُرسي، أبو غالب التَّيَّانِي (١)
من أهل قرطبة، سكن مُرْسِيَّة، بلغ فضله حد الاستفاضة، وصعب جامح العلم فَراضَه، وقضت له الرتبة أن يكون صدر مجالسها، وأنس مجالسها، فأضاء في غسقها، وأضاف فرائده إلى نسقها، ولم يزل نحولي أوانسها، ويجمع كنائسها، فقرر القواعد، وأنجز المواعد، وأسعفه الزمان المساعد، وعنى بالغرائب حتى ردها إلى الرياض، وأوردها على الحياض، فوصل الأسباب، وسمعت منه كل طنانة لعنبره منها هزج الذباب.
كان مقدمًا في علم اللسان أجمعه، مسألة له اللغة، طلب إليه أبو الجيش مجاهد بن عبد الله العامري لما غلب على مرسية أن يزيد في كتابه في اللغة:«مما ألفه أبو غالب لأبي الجيش مجاهد» ووجه إليه بألف دينار، فامتنع وقال: لا أستجيز الدنيا بالكذب، فإنما صنفته للناس عامة.