للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وهو من أول شيوخي الذين عليهم قرأت، ومنهم استمرت، قرأت عليه النحو ثم كان جل استفادتي على قاضي القضاة ابن مسلم رحمهما الله تعالى.

ومنهم:

[[٥٢] الضياء العجمي]

ذو جد عدم الانبساط، وعدل عن الأقساط، فعكف عليه وعرف ما لديه، ترقت أسارير مزنته، وصدقت تباشير منته، فأعاد العلم إلى أحسن حاله، وجاد بخصب إمحاله، وكان يأتي على الاستعجال بما يعجز على طول المجال، فلا يجسر أحد على بحره، ولا يسعه إلى الاستسلام لسحره، ولهذا كانت الطلبة تبتدر فوائده بدار الطير إلى طلب أقواتها، وتؤدي لديه الفرائض في أوقاتها، فكان الطالب لا يزال يغترف من نهره، ولا يغتر بغيره متاعًا من دهره إلا أنه عرض له هوى جذبه بأطواقه، وسلبه إلا من أشواقه. أتى بعض أبناء الأمراء بدمشق، فطار هواه بلبه، وأذكى جواه بقلبه، وكان الصبي يعرف بابن دمرداش وكان يغير الغزال إذا التفت، ويُعير الهلال محاسنه إذا اختفت، وكان على هذا الحسن ذا كيس ينتهب الأحشاء، ويحدث الإنشاء، فآل به حاله في عشقه، وتملكه له حتى يئس من عتقه إلى أنه سلب عقله، وأهمل غفله، وسافر إلى مصر سفرًا ساقه لحينه، وساءه بطول نينه، وكان ثم مقتله بسيف السلطان لا بالعشق، وتسويل الشيطان.

كان فقيرًا متصوفًا بالخانقاه السميساطية، وكان يجلس للإقراء بالكلاسة، ويقرأ عليهم النحو واللغة، وكان أكثر إقرائه في مقدمة ابن الحاجب، وكان يحبها، ويثني عليها، ويقول: هي نحو ظريف، واستفاد به جماعة.

وكان دمث الأخلاق، حسن العشرة، عشاقًا، طامح النظرات، وأحب في آخر عمره صبيًا من أبناء الجند يعرف بابن الدمرتاش، وكان له أخ أحسن منه، وكان يخرج إلى سوق الخيل فيقف به ليراه إذا مر به في الموكب، فقال شيخنا ابن الزملكاني: يا شيخ ضياء الدين، لأي الآيتين أنت عاشق؟

فقال له: لفلان وسماه.

فقال له ابن الزملكاني يا شيخ ضياء الدين فلأي شيء ما عشقت أخاه لأنه أحسن منه؟

فقال له: يا مولانا أنا عشقت هذا، فاعشق أنت ذاك.

<<  <  ج: ص:  >  >>