وكان على سعة فضله، وكثرة فقهه، لا يفتي تورعا، وإذا أتاه مستفت يقول له: رح إلى فلان أو إلى فلان، وأكثر ما يدل على ولد شيخه الشيخ برهان الدين.
وكان معظما في الصدور، أراده قاضي القضاة ابن صصري على أن ينوب عنه فامتنع، ثم طلبه شيخنا قاضي القضاة القزويني الخطيب لذلك فأبى.
وكان عنده وسواس لا يمس كتابا بيده ولا ورقة، ولا غير ذلك، فإذا أراد إمساك شيء أمسكه بمنديل له، أو بطرف ثوبه، ثم يغسل بعد ذلك في الغالب.
وكان رجلا لين الجانب، حسن الخلق، يحدث عن شيخيه الفزاريين بما كان يجري بينهما من المحاورات الطريفة، والمراجعات اللطيفة، إلى غير ذلك مما هو مشهور عما كان يكون بينهما.
وأول ما قرأت النحو عليه في عنفوان العمر، وأوان البداءة، وكان يجيد التفهيم، ويقرب طرق التعليم، ولهذا كانت الرغبة إليه مصروفة، والطلبة عليه موقوفة.
حكى لي من غريب الاتفاق أنه لما كانت نوبة مرج الصفر، وبقي الناس بين قائل إن السلطان خرج للقاء العدو، وقائل إنه ما خرج. قال: فبينما الناس في ذلك، وأنا في مكاني بالجامع، وإلى جانبي النبيه، أحد رفقتنا في الاشتغال إذ أتاني رجل يريد القراءة علي، فشرعت أعتذر إليه بشغل الخاطر بما الناس فيه، ويأبى إلا أن يقرأ، فلما رأى النبيه إلحاحه عزم علي أن أقرئه فقلت له: في أي شيء تريد أن تقرأ؟ قال: في كتاب «الجمل» للجرجاني، وأخرج نسخته، فأخذها النبيه وقال: نأخذ منها فألا للناس، فقلت له: وأي شيء يكون في هذا الكتاب؟ فقال: لا بد من أخذ فأل منه. ثم فتح الكتاب، فإذا في أول الصفحة ما صورته: جاء زيد، وطاب الخبر، وذهب القوم، فاستبشرنا وقلنا: الله أكبر، جاء السلطان، وطاب خبر الناس، وذهب العدو، فكان كذلك.
وحكي لي: أن أباه القاضي شرف الدين كان كثيرا ما يقول: يا ليت شعري ما في الأموات عاقل يرجع إلينا، ويخبرنا بما جرى لهم. فلما مات جلسنا يوما على قبره، فذكرنا ما كان يقول، فقال رجل من أصحابه كان حاضرا عندنا: يا قاضي شرف الدين أنت رجل عاقل، وقد صرت من الأموات فهلا رجعت، وخبرتنا بما جرى لكم، وإذا برجلين مارين على خيل لم يسمعا كلامنا، ولا يعرفهما منا أحد، وإذا أحدهما يقول للآخر: تريد الصحيح سلم إلى الأنبياء تستريح، فقال: هذا والله الجواب، وهذا أيضا من عجائب الاتفاق.