للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال له: إذا أذنت لي عشقته.

فقال له: أنت ما تحتاج إلى إذن.

قال: ولم؟

قال: لأن آذانك طوال.

وكان يأخذ في يده حزمة من الرياحين، ويطوف بها أكناف المدينة، فإذا رأى مليحًا أدنى إليه تلك الرياحين، فشممه إياها، فإذا عبث به أحد من الرجال وذوي اللحى وقال له: شممني قلب الحزمة وضربه بالعروق على أنفه.

وقال له رجل يومًا بحضوري: أنت لا تزال في عشقةٍ بعد عشقة، فابتدرت منشدًا قول القائل: [من البسيط]

الحبُّ أولى بي في تَصرُّفِهِ … مِنْ أَنْ يُغادرني يومًا بلا شَجَنِ

فصاح صيحة عظيمة، ثم قال: أحسنت اطلعت على قلبي، وقلت بلساني، ثم خر مغشيًا عليه.

وأتى يومًا ديوان الإنشاء، ونحن به وشيخنا شهاب الدين أبو الثناء محمود جالس، ونحن عنده. فلما رأى ما به من البلاء، وخروجه عن حيز العقلاء، أنشده: [من الطويل]

يقولون لو دبَّرت بالعقل حبَّها … ولا خيرَ في حُبِّ يُدبَّرُ بالعَقْلِ

فصاح صيحة شديدة، وقال: يا مولانا حبه حبه ولم يزل يقولها إلى أن غاب صوابه، وسقط إلى الأرض مغشيًا عليه، وبقي عامة نهاره ملقى على تلك الحال، ثم زاد به البلاء فخرج سائحًا كالهائم على وجهه، حتى أتى مصر، وكان له عكاز يتوكأ عليه، وكان فيه سيف على عادة الفقراء المتجولين، فرأى نصرانيًا نازعه في بعض الأمر، فاخترط السيف، وضربه به فأنهي أمره إلى السلطان، وحمل عليه كريم الدين لتعصبه للنصرانية، ولم يزل به حتى أمر السلطان به فقتل، وكان قد أتى خبره الفقراء المتصوفة بمصر والقاهرة، فحشدوا وطلعوا إلى القلعة؛ ليخاطبوا السلطان فيه، فما وصلوا حتى قضي الأمر، فأخذوه وتولوا غسله وتجهيزه، والصلاة عليه ودفنه.

ومنهم:

<<  <  ج: ص:  >  >>